مبادرة سورية تطالب كندا وهولندا بمواصلة دعوى التعذيب ضد سوريا أمام العدل الدولية
دعت «المبادرة السورية للحقوق الأساسية» (SIFR) حكومتي كندا وهولندا إلى مواصلة الدعوى المقامة ضد سوريا أمام محكمة العدل الدولية، وعدم إنهائها أو تعليقها أو تسويتها بالاستناد إلى التحول السياسي في دمشق أو إلى ضمانات دبلوماسية فقط.
وقالت المبادرة، وهي تحالف يضم عشر منظمات مجتمع مدني سورية، في ورقة موقف صدرت امس الاثنين، إن تغير السلطة في سوريا وسقوط حكومة بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لا ينهي، من وجهة نظرها، مسؤولية الدولة السورية عن الالتزامات التي تفرضها اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.
وتستند المبادرة في موقفها إلى استمرار القضية أمام محكمة العدل الدولية، وإلى أمر التدابير المؤقتة الذي أصدرته المحكمة في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، والذي ألزم سوريا باتخاذ إجراءات لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إلى جانب حماية الأدلة المرتبطة بادعاءات التعذيب والحفاظ عليها.
دعوى ضد الدولة السورية لا الحكومة السابقة
رفعت كندا وهولندا الدعوى أمام محكمة العدل الدولية في 8 حزيران/يونيو 2023، استناداً إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تعد سوريا طرفاً فيها. وتتعلق القضية، وفق المحكمة، بادعاءات انتهاك سوريا التزاماتها بموجب الاتفاقية، وليس بمساءلة حكومة بعينها باعتبارها منفصلة عن الدولة.
وفي 16 تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه، أصدرت المحكمة أمراً بتدابير مؤقتة ذات أثر ملزم. وطالبت سوريا باتخاذ جميع الإجراءات التي تقع ضمن قدرتها لمنع أعمال التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وضمان عدم ارتكابها من جانب موظفي الدولة أو الجهات والأشخاص الخاضعين لسيطرتها أو توجيهها أو نفوذها.
كما ألزمت المحكمة سوريا باتخاذ إجراءات فعالة لمنع إتلاف الأدلة المتعلقة بادعاءات التعذيب وضمان الحفاظ عليها، بما في ذلك السجلات والتقارير الطبية والجنائية ذات الصلة.
وتشير المبادرة إلى أن هذه الالتزامات، بحسب موقفها، ترتبط بالدولة السورية وليس بالحكومة التي كانت تتولى السلطة عند صدور أمر المحكمة، وبالتالي فإن تغير السلطة لا يعني تلقائياً انتهاء القضية أو التدابير المؤقتة.
ولا تزال الدعوى مدرجة ضمن القضايا المنظورة أمام المحكمة، التي أصدرت في 17 كانون الأول/ديسمبر 2024 أمراً بتمديد المهل الإجرائية. وبموجب ذلك الأمر، حُدد 3 حزيران/يونيو 2025 موعداً لإيداع مذكرة كندا وهولندا، و5 تشرين الأول/أكتوبر 2026 موعداً لإيداع المذكرة الجوابية السورية.
المبادرة: الانتقال السياسي لا ينهي المسار القضائي
ترى المبادرة السورية للحقوق الأساسية أن سقوط حكومة الأسد أحدث تحولاً سياسياً ومؤسسياً في البلاد، لكنه لا يحسم النزاع القانوني الذي تنظر فيه المحكمة، ولا يلغي ما تقول إنه انتهاكات وقعت قبل تغيير السلطة.
وبحسب ورقة الموقف، فإن استمرار الدعوى حتى صدور حكم نهائي من شأنه أن يتيح للمحكمة تحديد ما إذا كانت سوريا قد أخلّت بالتزاماتها بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وما الآثار القانونية المترتبة على أي انتهاكات تثبتها المحكمة.
وتقول المبادرة إن إجراءات التحقيق والمساءلة داخل سوريا، إلى جانب الالتزامات السياسية التي تعلنها السلطات، لا تشكل بديلاً عن المسار القضائي الدولي في تحديد مسؤولية الدولة. ومن هذا المنطلق، تطالب كندا وهولندا بعدم اتخاذ الانتقال السياسي أو الضمانات الدبلوماسية وحدهما أساساً لإنهاء القضية أو تعليقها.
ويأتي هذا الموقف في سياق نقاش أوسع بين منظمات حقوقية سورية بشأن آليات المساءلة بعد سقوط حكومة الأسد. وكانت منظمات مجتمع مدني وروابط تمثل ضحايا سوريين قد قالت في حزيران/يونيو 2026 إن التدابير المؤقتة الصادرة عن المحكمة تظل قائمة خلال سير القضية، وإن التزامات سوريا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب لا تنتهي بمجرد تغير الحكومة.
تقارير عن التعذيب بعد سقوط الأسد
تربط المبادرة مطالبتها باستمرار الدعوى أيضاً بما تقول إنها وقائع موثقة عن التعذيب وسوء المعاملة خلال الفترة التي أعقبت سقوط حكومة الأسد.
وتستشهد بورقة صادرة عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا في آذار/مارس 2026، قالت إن اللجنة وثقت حالات تعذيب وسوء معاملة في 18 مرفقاً رسمياً للاحتجاز و12 مرفقاً مؤقتاً خلال الفترة اللاحقة لـ8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وتشير مصادر حقوقية إلى أن توثيق اللجنة شمل الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر 2025.
وتستند المبادرة كذلك إلى تقارير لمنظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» تتناول حالات اعتقال واحتجاز تعسفي، إلى جانب ادعاءات بالتعذيب وسوء المعاملة والوفاة أثناء الاحتجاز.
لكن ورقة الموقف تميز بين الانتهاكات التي تتحدث عنها في المرحلة الحالية وما كان سائداً خلال عهد الحكومة السابقة، إذ تقول إن الانتهاكات التي وثقتها بعد سقوط الأسد لم تظهر حتى الآن على النطاق نفسه الذي كان قائماً في عهد النظام السابق. ومع ذلك، تعتبر المبادرة هذه الوقائع مؤشراً على استمرار مخاطر سوء المعاملة والحاجة إلى آليات فعالة للرقابة والتحقيق والمساءلة.
وفاة محمد غميرة تثير أسئلة حول الاحتجاز
ومن بين الحالات التي أوردتها المبادرة قضية محمد غميرة، البالغ من العمر 29 عاماً، وهو متطوع سابق في منظمة الخوذ البيضاء توفي بعد احتجازه في قسم شرطة الحفة بمحافظة اللاذقية.
وبحسب ما تنقله المبادرة عن نتائج تحقيق أجرته وزارة الداخلية، تعرض غميرة لصفعة على رقبته أثناء التحقيق معه، رغم إبلاغ عناصر الشرطة بحالته الصحية، إذ كان مصاباً بمرض الناعور.
وقالت المبادرة إن خبراء طبيين نسبوا الوفاة إلى مضاعفات نزف دماغي، وإن المحقق أُحيل إلى النيابة العامة، بينما بقيت الإجراءات التأديبية بحق عناصر آخرين قيد التحقيق.
وتعرض المبادرة هذه القضية بوصفها مثالاً على ضرورة التحقيق في ادعاءات سوء المعاملة ومحاسبة المسؤولين عنها، وليس باعتبارها حكماً قضائياً يثبت مسؤولية الدولة السورية في الدعوى المنظورة أمام محكمة العدل الدولية.
وتناولت تقارير صحفية حديثة القضية أيضاً، مشيرة إلى إعلان وزارة الداخلية فتح تحقيق في الوفاة واحتجاز عدد من العاملين للتحقيق معهم، فيما أثارت القضية مطالبات بمزيد من التدقيق في ظروف الاحتجاز.
كما أشارت المبادرة إلى حالتي وفاة أخريين أثناء الاحتجاز، هما عبد الرحمن جعجول في حلب خلال آب/أغسطس 2025، وعطا الله صالح الفياض في دمشق خلال أيلول/سبتمبر من العام نفسه.
وبحسب ورقة المبادرة، توفي جعجول أثناء احتجازه في قسم شرطة الكلاسة بعد توقيفه للاشتباه بسرقة دراجة نارية، بينما نقلت عن أحد أقاربه رواية تحدثت عن وجود آثار ضرب على الجثمان.
أما الفياض، فقالت المبادرة إن وزارة الداخلية أعلنت توقيف عناصر الدورية التي أوقفته وفتح تحقيق في القضية، لكنها أشارت إلى عدم توفر معلومات علنية كافية، وفق الورقة، حول نتائج التحقيق أو إحالة أي من المتورطين إلى القضاء.
مطالب إضافية من كندا وهولندا
لا تقتصر مطالب المبادرة على إبقاء الدعوى أمام محكمة العدل الدولية، إذ تدعو كندا وهولندا أيضاً إلى مواصلة توثيق التطورات المتعلقة بملف التعذيب، وتزويد المحكمة بالمعلومات ذات الصلة، ودعم آليات الرصد المستقلة لمدى التزام سوريا بالتدابير المؤقتة التي أصدرتها.
كما تطالب المبادرة السلطات السورية بالانضمام إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، الذي يتيح للجنة الفرعية لمنع التعذيب زيارة أماكن الاحتجاز، إضافة إلى الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
وتدعو كذلك إلى إجراء مشاورات منتظمة مع الضحايا وذويهم ومنظمات المجتمع المدني، وضمان ألا تؤدي أي مفاوضات أو ترتيبات سياسية موازية إلى تأخير الإجراءات القضائية أمام محكمة العدل الدولية أو التأثير في مسارها.
وتبقى القضية، وفق السجل المنشور لمحكمة العدل الدولية، في مرحلة الإجراءات الكتابية، مع تحديد 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026 موعداً لإيداع سوريا مذكرتها الجوابية، على أن تحدد المحكمة لاحقاً الخطوات التالية في القضية.
اقرأ أيضاً:لجنة التحقيق الدولية تحذر من الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا