انفجارات متتالية في مستودعات الذخيرة في سورية.. ماذا يكشف تكرار الحوادث؟
لم يعد انفجار مستودع الذخيرة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي حادثة منفردة، بعدما جاء في أعقاب سلسلة انفجارات شهدتها خلال أسابيع مواقع عسكرية ومستودعات تضم أسلحة وذخائر ومخلفات حرب في مناطق سورية عدة، وأسفرت بعض تلك الحوادث عن سقوط قتلى وجرحى، في وقت لا تزال أسبابها التفصيلية من دون نتائج تحقيق معلنة للرأي العام.
وشهدت منطقة العيس فجر الاثنين انفجارات متتالية استمرت لساعات، وسط حديث مصادر محلية عن أكثر من تسعة انفجارات، ترافقت مع تصاعد النيران وتطاير الشظايا والذخائر إلى المناطق المحيطة بالموقع.
وبحسب الحصيلة الأولية التي أوردتها الجهات الرسمية وفرق الاستجابة، أُصيب أربعة مدنيين جراء الحادثة، أحدهم بشظايا، فيما أُخليت ثلاث عائلات من المنازل القريبة، وفرضت الجهات الأمنية طوقاً حول الموقع وأغلقت الطرق المؤدية إليه، ومنها طريق حلب ـ دمشق، قبل إعادة فتحها لاحقاً.
وفي الوقت نفسه، بدأت فرق الهندسة والدفاع المدني عمليات مسح الموقع وتأمينه، للتحقق من وجود ذخائر غير منفجرة أو أجسام خطرة قد تشكل تهديداً للسكان.
روايات رسمية وتحقيقات مستمرة
لم تتوقف الانفجارات عند ذلك، إذ وقع انفجار جديد قبل ظهر الاثنين، قالت الإخبارية السورية إنه ناتج عن تفجير فرق الهندسة لغماً من مخلفات الحرب خلال عملية تأمين الموقع.
في المقابل، أفادت وزارة الدفاع بوقوع انفجار في أحد مواقع الجيش بمحيط العيس، مؤكدة استمرار التحقيقات لمعرفة ملابساته.
وفي بيان آخر، أعلنت الوزارة أنها تتابع التحقيق في أسباب الانفجارات التي شهدتها بعض المواقع العسكرية، مؤكدة أنها ستعلن المعلومات التي تثبتها التحقيقات بما لا يؤثر في سيرها أو مقتضيات الأمن، على أن تتخذ الإجراءات اللازمة بناءً على النتائج، بما يحفظ سلامة الأفراد والمواقع ويمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
لكن الرواية الرسمية الأولية لا تزال عاجزة عن حسم أسباب الانفجارات، ولا تقدم وحدها تفسيراً لطبيعة الكميات الكبيرة من الذخائر التي أدت إلى استمرار الانفجارات وتطاير المقذوفات لمسافات بعيدة.
العيس ليست الحادثة الوحيدة
تزامن انفجار العيس مع حوادث مشابهة شهدتها مناطق سورية أخرى خلال سبتمبر الحالي.
ففي 18 سبتمبر/أيلول، انفجر أحد مواقع الجيش في منطقة عياش بريف دير الزور الغربي، ما أدى إلى مقتل 11 عنصراً من مرتبات الجيش.
وقبل ذلك بأيام، وتحديداً في التاسع من سبتمبر، وقع انفجار كبير داخل مخزن مؤقت مخصص لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب على طريق سرمدا بريف إدلب الشمالي. وأعلنت وزارة الدفاع حينها مقتل 14 من عناصرها وإصابة 11 آخرين، مؤكدة تحملها المسؤولية الكاملة عن الحادثة، وفتح تحقيق لكشف أسبابها وملابساتها.
وفي 12 سبتمبر، شهدت منطقة الضمير بريف دمشق انفجاراً داخل مستودع يضم ذخائر من مخلفات النظام السابق كانت معدة للإتلاف، وفق السلطات، من دون تسجيل إصابات.
كما شهدت إدلب في وقت سابق حوادث انفجار في معرة مصرين وكفرتخاريم وأطراف مدينة إدلب، إلى جانب حوادث أخرى مرتبطة بنقل الذخائر.
ولا يعني وقوع هذه الحوادث في فترة زمنية متقاربة بالضرورة وجود رابط بينها، إلا أن تكرارها يفتح ملف التعامل مع مستودعات الأسلحة ومخلفات الحرب، ويطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت هناك مشكلة أوسع في التخزين والتعامل مع المواد المتفجرة، أم أن لكل حادثة أسبابها الخاصة.
معايير التخزين تحت المجهر
يرى العقيد فايز الأسمر، في حديث مع “العربي الجديد“، أن تكرار الانفجارات يستدعي تحقيقات مهنية وشفافة، خصوصاً مع سقوط قتلى ومدنيين في عدد من الحوادث.
ويشير الأسمر إلى أن التحقيقات يجب أن تتناول إجراءات تخزين الذخائر ومدى الالتزام بالمعايير الفنية، موضحاً أن مستودعات الأسلحة ينبغي أن تكون بعيدة عن المناطق المدنية وخطوط وشبكات التوتر العالي، وأن تتوافر فيها تهوية مناسبة ومنشآت ذات جدران إسمنتية مسلحة وأبواب محصنة.
كما يشدد على ضرورة عدم وجود مفاتيح الكهرباء داخل المستودعات، وفصل أجهزة التفجير أو الصواعق عن أجسام القذائف والصواريخ وتخزينها في أماكن منفصلة، إلى جانب الحفاظ على مسافات كافية بين المستودعات لمنع انتقال النيران والانفجارات من موقع إلى آخر.
وتشمل شروط السلامة، بحسب الأسمر، توفير وسائل الإطفاء والحماية والحراسة، وإعداد سجلات دقيقة للذخائر، فضلاً عن اختيار العاملين في هذه المواقع وفق معايير مهنية وأمنية صارمة.
ويضع الأسمر احتمال سوء التخزين أو التعامل غير المهني مع الذخائر ضمن مسارات التحقيق، إلى جانب فرضية وجود اختراقات أمنية أو أعمال تخريبية، مشدداً على ضرورة عدم استبعاد أي احتمال قبل انتهاء التحقيقات.
ومن بين الفرضيات التي يشير إليها احتمال أن يكون الفاعل خارجياً، وتحديداً إسرائيل، أو داخلياً، مثل بعض المعارضين لاندماج “قوات سوريا الديمقراطية” في الدولة السورية من بقايا حزب العمال الكردستاني، أو فلول النظام السابق، أو جماعة حكمت الهجري في السويداء، لافتاً إلى امتلاك هذه الجهات طائرات مسيّرة يمكن إطلاقها من مسافات قريبة أو بعيدة لاستهداف مخازن الأسلحة.
مخلفات الحرب تزيد تعقيد المشهد
تأتي هذه الحوادث في بلد خلّفت سنوات الحرب فيه كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب، بينها مواد قديمة أو مجهولة المصدر، وأخرى جرى نقلها من مواقع كانت خاضعة لجهات مختلفة.
وفي حالة العيس تحديداً، يرى الباحث في مركز جسور رشيد حوراني أن تاريخ المنطقة العسكري قد يكون عاملاً مهماً في فهم طبيعة الموقع، مشيراً إلى أن محيط العيس كان قبل سيطرة القوات الحكومية الحالية خاضعاً لجهات مرتبطة بإيران.
ويعتقد حوراني أن إدارة الجيش ربما لم تحصل على الوقت الكافي لتفقد جميع المستودعات والمواقع الموجودة في المنطقة بصورة كاملة، كما يشير إلى أن طبيعة الانفجارات، استناداً إلى المعلومات الميدانية، توحي بوجود ذخائر لأسلحة ثقيلة، خصوصاً أن بعض المقذوفات وصلت إلى مسافات بعيدة.
هل هناك تخريب متعمد؟
يطرح حوراني أيضاً احتمال وجود عناصر تخريب تعمل لصالح جهات داخلية أو خارجية، مستنداً إلى ما قال إنها تقارير ومنصات رصد تحدثت عن طلعات استطلاع إسرائيلية في جنوب لبنان وشمال سورية خلال 15 و17 سبتمبر/أيلول الحالي، وربطت تلك الطلعات باحتمال التحضير لعمل عسكري.
إلا أن هذه المعطيات، بصورتها المتاحة، لا تثبت أن انفجار العيس نجم عن غارة جوية أو استهداف إسرائيلي، كما لا تثبت في المقابل أنه ناتج عن عمل تخريبي داخلي.
كذلك، فإن ثبوت تحليق طائرات قبل الانفجار لا يكفي وحده لإثبات وجود علاقة سببية بين الأمرين، ما يجعل نتائج التحقيق الفني حاسمة في تحديد طبيعة الحادث.
ويشمل هذا التحقيق فحص آثار الانفجار وبقايا الذخائر واتجاهات الشظايا وطبيعة الحرائق وحالة الأبنية، إلى جانب دراسة تسلسل الأحداث التي سبقت الانفجار، وهي معطيات يمكن أن تساعد في التمييز بين انفجار داخلي ناتج عن خلل أو اشتعال متسلسل، وبين انفجار سببه تأثير خارجي.
غياب نتائج التحقيقات يوسع دائرة التساؤلات
لا تتوقف الإشكالية عند تكرار الانفجارات، بل تمتد إلى محدودية المعلومات المتاحة عن نتائج التحقيقات التي أُعلن عنها في حوادث سابقة.
فوزارة الدفاع أعلنت في أكثر من مناسبة فتح تحقيقات لكشف أسباب الانفجارات وملابساتها، لكنها لم تنشر نتائج تفصيلية لجميع تلك التحقيقات، ما يجعل كل حادثة جديدة تعيد طرح الأسئلة المرتبطة بالحوادث السابقة.
وفي العيس، أصدرت الجهات الرسمية تحذيرات للمدنيين من الاقتراب من الموقع أو لمس الأجسام الغريبة، بسبب احتمال وجود ذخائر غير منفجرة وشظايا، بينما واصلت فرق إزالة مخلفات الحرب والهندسة العسكرية عمليات المسح في الموقع والمناطق المحيطة به.
وتضع هذه السلسلة من الحوادث وزارة الدفاع أمام ملف يتجاوز التعامل مع كل انفجار على حدة، ويستدعي تكوين صورة شاملة عن أوضاع مستودعات الأسلحة ومواقع جمع مخلفات الحرب والذخائر المعدة للإتلاف.
ويشمل ذلك إعادة تقييم مواقع التخزين والمسافات التي تفصلها عن المناطق السكنية والطرق العامة، وآليات نقل الذخائر القديمة، وإجراءات الإتلاف، ونظام الدخول والخروج من المستودعات، فضلاً عن مستوى التدريب المهني للعاملين فيها.
كما أن إعلان نتائج التحقيقات السابقة، عند اكتمالها، يمكن أن يوضح للرأي العام ما إذا كانت هذه الحوادث تكشف أنماطاً متكررة أم أن أسبابها تختلف من موقع إلى آخر.
وحتى الآن، لا توفر المعلومات المتاحة أساساً للجزم بأن انفجارات العيس وسرمدا وعياش والضمير مترابطة أو تقف خلفها جهة واحدة، كما لا تكفي لإثبات فرضية التخريب أو القصف الخارجي، ولا لاستبعادها بصورة نهائية.
لكن تتابع الانفجارات خلال فترة قصيرة يبقي ملف مستودعات الذخيرة ومخلفات الحرب مفتوحاً على أسئلة تتعلق بأسباب هذه الحوادث وآليات التخزين والتعامل مع الذخائر، والأهم بسلامة المدنيين والعسكريين في المناطق المحيطة بهذه المواقع.
اقرأ أيضاً:5 انفجارات بأيلول.. سلاح المستودعات يهدد المدنيين في سوريا
اقرأ أيضاً:تفجيرات إدلب المتنقلة.. بنّش تفتح ملف المستودعات والذخائر