جنوب سوريا تحت الضغط الإسرائيلي.. ودمشق تفاوض روسيا وتختبر حدود سيادتها
يتسع الفارق في جنوب سوريا بين الحدود المعترف بها والواقع الميداني، في ظل استمرار التحركات الإسرائيلية في القنيطرة وريفي درعا ودمشق، بالتزامن مع بقاء الوجود الروسي في الساحل السوري ضمن ترتيبات جديدة مع السلطات السورية الانتقالية.
فقد طال قصف إسرائيلي أطراف الحميدية في القنيطرة وتلة باط الوردة قرب بيت جن، بينما دخلت تسع آليات عسكرية إلى وادي الرقاد غربي درعا، واعتقلت شاباً يعمل في رعي المواشي.
وبينما تبدو هذه الأحداث منفصلة في الأخبار اليومية، فإن تكرارها يعكس نمطاً من التحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، في وقت تحاول فيه دمشق التعامل معها عبر القنوات الدبلوماسية والمفاوضات الأمنية.
وفي الساحل، اتخذ المشهد مساراً مختلفاً، مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مطار اللاذقية الدولي برفقة رئيس هيئة الأركان وقادة عسكريين، ولقائه مسؤولين روس لمتابعة مذكرة التفاهم المتعلقة بإعادة تنظيم الوجود الروسي في سوريا.
ويكشف المساران عن اختلاف أدوات دمشق في التعامل مع القوى الأجنبية الموجودة على الأراضي السورية: تفاوض مع موسكو حول القواعد والمرافق، في حين تعتمد في الجنوب على المسار السياسي والوساطة لاحتواء التحركات الإسرائيلية.
التحركات الإسرائيلية تعيد رسم الواقع الأمني في الجنوب السوري
لم تعد التطورات في القنيطرة وبيت جن ووادي الرقاد مجرد حوادث أمنية منفصلة، إذ تقع هذه المناطق ضمن حزام جغرافي يمتد من الجولان إلى الريف الجنوبي الغربي لدمشق، ويشرف على طرق وقرى وممرات قريبة من جبل الشيخ.
وتقول “إسرائيل” إن تحركاتها في هذه المنطقة مرتبطة باعتبارات أمنية ومنع تشكل تهديد عسكري بالقرب من الجولان المحتل، بينما تتمسك دمشق باتفاق فصل القوات لعام 1974 وتطالب بعودة القوات الإسرائيلية إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل ديسمبر/كانون الأول 2024.
وتشمل التحركات الإسرائيلية، بحسب الوقائع الميدانية المتداولة، القصف والدوريات البرية والاعتقالات وإقامة مواقع عسكرية، وهو ما يثير مخاوف من تحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع أمني وميداني طويل الأمد.
اتفاق فصل القوات أمام واقع ميداني جديد
تتمسك الحكومة السورية باتفاق فصل القوات لعام 1974 باعتباره الإطار القانوني المنظم للوضع في المنطقة، بينما ترى “إسرائيل” أن الظروف الأمنية تغيرت، وأن التطورات في سوريا تفرض ترتيبات مختلفة.
وفي ظل غياب توازن عسكري يسمح لدمشق بفرض الانسحاب الإسرائيلي، اتجهت السلطة السورية إلى المفاوضات والوساطة الأميركية، وشاركت في محادثات أمنية بهذا الشأن.
إلا أن استمرار التوغلات والاعتقالات يضع المسار التفاوضي أمام اختبار فعلي، إذ لا تقتصر القضية على البيانات السياسية، وإنما تتعلق بمدى قدرة المحادثات على إنتاج ترتيبات تمنع تغيير الواقع العسكري على الأرض.
الوجود الروسي في الساحل السوري يدخل مرحلة جديدة
على الساحل، تسير العلاقة بين دمشق وموسكو في مسار مختلف. فما تزال روسيا موجودة في طرطوس وحميميم، لكن وجودها أصبح مرتبطاً بترتيبات جديدة تختلف عن الامتيازات التي حصلت عليها خلال عهد النظام السابق.
وبحسب تفاصيل مذكرة التفاهم المعلنة في أغسطس/آب، أعيدت بعض المنشآت المدنية إلى الإدارة السورية، فيما جرى الاتفاق على تحويل مواقع أخرى إلى مراكز تدريب مشتركة مع استمرار وجود القوات الروسية.
وبذلك انتقلت دمشق من مناقشة مستقبل الوجود الروسي بصورة عامة إلى التفاوض على طبيعة الوجود العسكري الروسي وصلاحياته.
وفي 7 سبتمبر/أيلول، وصلت أربع سفن روسية إلى طرطوس ونقلت إمدادات إلى المنشآت التي تستخدمها موسكو على الساحل، في أول مهمة إمداد من هذا النوع منذ الاتفاق الجديد.
وتشكل طرطوس أهمية لروسيا باعتبارها منفذاً بحرياً في البحر المتوسط، بينما توفر قاعدة حميميم إمكانات لوجستية وعسكرية مرتبطة بتحركات موسكو في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتمنح هذه المصالح دمشق هامشاً تفاوضياً مع روسيا، يختلف عن الوضع في الجنوب حيث لا تمتلك السلطة السورية أدوات عسكرية مماثلة للضغط على “إسرائيل”.
السيادة السورية أمام اختبار ميداني
لا يمكن اختزال المشهد السوري في تقسيم مناطق النفوذ بين روسيا و”إسرائيل” والولايات المتحدة، مع وجود أدوار لقوى إقليمية أخرى، لكن التطورات في الجنوب والساحل تكشف تفاوتاً واضحاً في أدوات دمشق للتعامل مع القوى الأجنبية.
فالوجود الروسي يخضع لترتيبات واتفاقات مع السلطة السورية، بينما تستمر التحركات الإسرائيلية في الجنوب رغم الاعتراضات السورية، في حين تؤدي الولايات المتحدة دور الوسيط من خارج الأراضي السورية.
ويبقى الاختبار الأساسي مرتبطاً بقدرة المؤسسات السورية على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ميداني، سواء في إدارة الوجود الروسي في الساحل أو الحد من التحركات الإسرائيلية في القنيطرة وريف درعا.
وفي الجنوب تحديداً، فإن استمرار التوغلات والاعتقالات وإقامة المواقع العسكرية يضع السياسة السورية أمام تحدي استعادة القدرة على حماية الحدود وفرض ترتيبات أمنية مستقرة.
أما في الساحل، فتمنح المفاوضات حول الوجود الروسي دمشق مساحة أكبر لتنظيم العلاقة مع موسكو، لكنها في الوقت نفسه تتطلب قدرة مؤسساتية على إدارة المرافق والمنشآت ومراقبة الأنشطة المرتبطة بها.
وفي النهاية، لا تقاس السيادة بالاتفاقات والبيانات وحدها، بل بقدرة الدولة على تطبيقها على الأرض. وإذا لم تتحول المفاوضات إلى ترتيبات عملية تحدد حركة القوات الأجنبية وتمنع فرض وقائع جديدة، فقد تبقى المكاسب الدبلوماسية منفصلة عن القدرة الفعلية على إدارة الحدود والمجال الأمني السوري.
إقرأ أيضاً: لماذا تُبقي الحكومة السورية الانتقالية روسيا في سوريا؟ علاقة الضرورة وحدود السيادة
إقرأ أيضاً: الاستراتيجية الإسرائيلية في جنوب سوريا: التوغلات الميدانية وترسيخ السيطرة الشبكية