الصناعة السورية أمام كلفة الإنتاج وضعف التمويل.. مقومات كثيرة وسياسة لا تزال تبحث عن طريقها

تمتلك الصناعة السورية ما يكفي من المقومات لتكون أحد محركات الاقتصاد، من الموارد المحلية وتنوع القطاعات إلى الخبرات المتراكمة والأسواق القابلة للنمو. لكن هذه المقومات لا تتحول بالسرعة المطلوبة إلى إنتاج قادر على المنافسة، في ظل كلفة مرتفعة، وبنية تحتية متعبة، وصعوبة في التمويل، ونقص في الكفاءات، وتعقيدات إدارية وتشريعية ما زالت تثقل حركة المستثمر والصناعي.

وتكشف البيانات الرسمية عن مفارقة واضحة: فقد سجلت سوريا 1430 طلباً للاستثمار الصناعي خلال النصف الأول من 2026، بينها 996 طلباً لإنشاء منشآت جديدة و317 لتحديث خطوط إنتاج، مع توقع أكثر من 15 ألف فرصة عمل. وفي الوقت نفسه، يقول صناعيون إن الطاقة والبنية التحتية والتمويل ومدخلات الإنتاج والنقل ما تزال من أبرز العقبات التي تعيق النشاط الصناعي.

موارد موجودة.. لكن القيمة المضافة ضعيفة

يرى الصناعي محمد الحلاق أن تنوع الموارد الطبيعية وتوافر قسم من المواد الأولية محلياً يوفران أساساً يمكن البناء عليه، إلى جانب وجود طاقات وخبرات تسمح بالتوسع في الصناعات التحويلية والتكنولوجية.

لكن امتلاك المادة الخام لا يعني امتلاك صناعة قوية. فكلما خرجت المواد السورية من الحقل أو المنجم لتعود إلى السوق على شكل منتجات مستوردة أو مصنّعة خارج البلاد، بقي الجزء الأكبر من القيمة المضافة بعيداً عن الاقتصاد المحلي.

ومن هنا تبرز أهمية الربط بين الزراعة والصناعة، ولا سيما في الصناعات الغذائية والتحويلية، بحيث تتحول المواد المحلية إلى منتجات نهائية ذات قيمة أعلى، بدلاً من استمرار الاقتصاد في استيراد جزء من السلع التي يمكن تصنيعها محلياً.

الكلفة تسبق الصناعة إلى السوق

المشكلة الأكثر إلحاحاً تقع في كلفة الإنتاج. فارتفاع أسعار الطاقة والنقل ومدخلات الإنتاج، إلى جانب صعوبة التمويل وتقلبات سعر الصرف، يجعل المنتج السوري يدخل السوق وهو يحمل كلفة مرتفعة قبل أن يبدأ منافسته. وقد أقرّت جهات صناعية رسمية بأن تضرر البنية التحتية وتأمين الطاقة وارتفاع التكاليف وقيود التمويل من أبرز التحديات القائمة.

وفي هذه البيئة، لا يكفي إعفاء آلة من رسم جمركي أو تبسيط إجراء إداري إذا بقيت تكلفة تشغيلها مرتفعة، أو إذا عجز المصنع عن تأمين رأس المال اللازم لاستمرار الإنتاج.

وتكشف الإجراءات الحكومية نفسها أن الملف ما يزال في طور المعالجة: إعفاءات جمركية، تخفيض سلفة ضريبية على مستوردي مدخلات الإنتاج إلى 1%، وبرامج لدعم الاستثمار الصناعي. لكن كثرة الإجراءات لا تعني بالضرورة اكتمال السياسة الصناعية؛ فالصناعة تحتاج إلى منظومة متماسكة تجعل هذه القرارات قابلة للانعكاس على أرض المصنع.

القطاع العام يحتاج إلى إعادة بناء لا إدارة الأزمة

ويرى الخبير التنموي أكرم عفيف أن تطوير الصناعة يتطلب تغييراً في العقلية الإدارية والإنتاجية، بما يشمل تحديث خطوط الإنتاج، وتطوير الإدارة والتسويق، وربط القرارات بمؤشرات الكفاءة والجدوى الاقتصادية.

وهذا ينطبق بصورة خاصة على القطاع العام الصناعي الذي عانى خلال مراحل سابقة من البيروقراطية وتقادم التجهيزات وتراجع الأداء. إعادة تشغيل المنشآت وحدها لا تكفي؛ المطلوب تحويلها إلى وحدات إنتاج قادرة على حساب الكلفة والجودة والإنتاجية، لا مؤسسات تستهلك الموارد أكثر مما تضيف إليها.

التصدير يبدأ من المصنع

تحتاج الصناعة السورية إلى الانتقال من منطق حماية السوق المحلية إلى بناء منتجات تستطيع الخروج منها. وهذا يعني مواصفات قابلة للمنافسة، إنتاجاً منتظماً، تغليفاً وتسويقاً حديثين، وتمويلاً يسمح للمصنع بالتوسع.

وقد أطلقت وزارة الاقتصاد والصناعة أخيراً برنامج “صناعة سورية” بهدف استعادة الكفاءة الإنتاجية وتنمية الصادرات، مع اشتراط نسبة محتوى محلي لا تقل عن 40% للمنشآت المستفيدة. لكن نجاح مثل هذا البرنامج سيُقاس بما يصل إلى خطوط الإنتاج والأسواق، لا بعدد القرارات والخطط.

فالصناعة السورية لا تعاني نقصاً في الأفكار بقدر ما تعاني فجوة بين ما يمكن أن تنتجه وما تسمح له البيئة الاقتصادية فعلياً بإنتاجه. وإذا بقيت الطاقة والتمويل والبنية التحتية والتشريعات والمهارات تتحرك كل منها في اتجاه مختلف، فستظل الاستثمارات الجديدة أرقاماً واعدة على الورق، بينما يبقى المنتج السوري أمام سوق أكثر انفتاحاً وكلفة أعلى وقدرة أقل على المنافسة.

 

اقرأ ايضاً: التوسع في التجارة السورية التركية يهدد الصناعة السورية.. منافسة غير متكافئة أمام الواردات التركية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.