السويداء ومعضلة السيادة: كيف تحول “جبل العرب” إلى العقدة الجيوسياسية الأصعب في سوريا؟
تتحول محافظة السويداء، ذات الخصوصية الاجتماعية والدينية في الجنوب السوري، إلى العقدة السياسية والجيوسياسية الأبرز التي تختبر قدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة تركيب المجال الوطني. المسألة هنا لا تقتصر على إدارة أزمة محلية أو معالجة احتجاجات عابرة، بل ترتبط بكيفية إعادة بناء العلاقة بين السلطة المركزية في دمشق والمجتمع المحلي على أسس الثقة والضمانات المتبادلة، بعيداً عن السيطرة الأمنية التقليدية.
الجبل كمجال سياسي: مطالب مشروعة أم هواجس انفصال؟
تبدو مطالب أهالي السويداء في جوهرها تعبيراً عن حاجة ملحة للأمن، الكرامة، والتمثيل العادل، وليست مؤشراً على مشروع انفصالي. وتفرض جغرافيا جبل العرب نفسها كبنية اجتماعية متماسكة أنتجت تاريخياً حساسية عالية تجاه التدخلات الخارجية، حيث تحكم القرى والبلدات خطوط الضغط والنزوح والاحتجاج بين المركز والجنوب.
وحين يتجمع أهالي قرى الريف الغربي مطالبين بانسحاب القوات الحكومية ومسلحي العشائر، فهم يعيدون تعريف معنى الأمن الذي يبدأ بالنسبة إليهم من إخراج مصادر الخوف من محيطهم المباشر.
أزمة الثقة قبل السلاح: إرث تموز 2025 الخفي
تكمن المشكلة الحقيقية في السويداء اليوم في أزمة الثقة العميقة أكثر من كونها مجرد أزمة انتشار سلاح. فالتجربة المريرة وأحداث العنف التي شهدتها المحافظة في تموز/يوليو 2025 تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية، وجعلت أي تحرك أمني جديد قابلاً للتفسير بوصفه تهديداً لا إجراءً تنظيمياً.
مؤشر الفشل السياسي: يحمل ملف حرمان 13,500 طالب وطالبة في السويداء من تقديم الامتحانات الوطنية للعام الثاني على التوالي دلالة خطيرة تتجاوز قطاع التعليم؛ فهو يعكس وصول الخلافات السياسية والأمنية إلى نقطة حساسة تمس استقرار العائلات المباشر، وتفصل المواطن عن مؤسسات الدولة التربوية.
الجنوب السوري في عين العاصفة: حسابات “إسرائيل” والأردن
يأخذ ملف السويداء بعداً إقليمياً معقداً بسبب موقعها الحساس ضمن قوس الجنوب السوري (درعا، القنيطرة، السويداء، والبادية الجنوبية) المفتوح على التوازنات الدولية:
-
الجانب الإسرائيلي: تستغل “إسرائيل” هشاشة الأوضاع الأمنية في الجنوب لتوسيع هوامش حركتها عبر التوغلات الميدانية في درعا والقنيطرة، واختبار حدود الدولة السورية الجديدة ومراقبة القوى المحلية.
-
الجانب الأردني: ينظر الأردن إلى السويداء من زاوية أمنية مباشرة، حيث يؤثر استقرار المحافظة بشكل طردي على ضبط الحدود البرية ومنع شبكات التهريب والأنشطة غير الرسمية عبر البادية.
خطاب الكراهية وأدوات التفكيك الاجتماعي
يأتي تحذير الأمم المتحدة الأخير من تصاعد خطاب الكراهية ليحمل أبعاداً سياسية مباشرة في الداخل السوري؛ فاللغة التحريضية التي تربط الهوية بالاتهام وتحول المطالب المحلية لشبهات أمنية تعتبر الوقود الأول لإنتاج العنف.
وهنا تقع المسؤولية على طرفين:
-
السلطة المركزية: مطالبة بضبط الخطاب الرسمي والمؤسساتي لتحويل التهدئة إلى سياسة عامة.
-
النخب المحلية في السويداء: مطالبة بمنع الانزلاق نحو لغة العزل الجماعي أو الانكماش الهوياتي الذي يجعل المجتمع رهينة للخوف.
السيادة التفاوضية: الدولة التي تفاوض أطرافها
تكشف أزمة السويداء أن مفهوم السيادة في مرحلة ما بعد الحرب لم يعد مرتبطاً برفع العلم أو الحضور الرمزي فقط، بل بمدى قبول السكان لهذا الحضور. وفي جبل العرب لا يدور التوتر حول فكرة الدولة ككيان، بل حول “شكل عودتها” ومن يدير أمنها.
وتتحول العلاقة هنا إلى تفاوض غير معلن؛ فالمركز يسعى لاستعادة المجال الجغرافي، بينما يتمسك المجتمع المحلي بضمانات دستورية وقضائية واضحة تمنع تكرار العنف، وتحد من نفوذ المسلحين الغرباء والفاعلين غير المنضبطين.
خلاصة: السويداء ليست مجرد محافظة مأزومة، بل هي الاختبار الحقيقي لشكل سوريا المستقبلية؛ فإما دولة مركزية تندفع نحو الأطراف بعقلية السيطرة الأمنية المفروضة، أو دولة تعيد بناء السيادة عبر التفاوض، الثقة، الخدمات، والعدالة الانتقالية.
إقرأ أيضاً: أزمة السويداء.. انشقاقات تضرب الحرس الوطني بعد قطع التمويل الخارجي
إقرأ أيضاً: عقب احتجاجات للأهالي ومهلة للفصائل..محافظ السويداء يدعو نازحي الريفين الشمالي والغربي للعودة إلى قراهم