نقل قيود الطلاب بين المحافظات في سوريا.. رحلة أختام تثقل الأهالي وتؤجلها الرقمنة

قد يبدأ نقل طالب من مدرسة إلى أخرى بورقة “لا مانع من الانتقال”، لكنه لا ينتهي عند باب المدرسة الجديدة. ففي حالات النقل بين المحافظات، يجد أولياء الأمور أنفسهم أمام مسار إداري متشعب يبدأ من المدرسة المستقبِلة، ثم يعود إلى المدرسة الأصلية والمجمع التربوي، وقد ينتهي في مديرية التربية بمركز المحافظة قبل العودة مجدداً إلى المدرسة لاستكمال التسجيل.

على الورق، تبدو الإجراءات مبررة بحماية السجلات ومنع التزوير. لكن في الواقع، تتحول المعاملة إلى سلسلة من المراجعات والأختام والتنقل بين مدن قد تفصل بينها عشرات أو مئات الكيلومترات، في وقت تؤكد فيه وزارة التربية والتعليم توجهها نحو تبسيط الإجراءات والتحول الرقمي. وقد أعلنت الوزارة بالفعل عن توسيع استخدام التطبيقات الإلكترونية في العمل الإداري والتعليمي، فيما لا تزال معاملات نقل السجلات المدرسية تعتمد في حالات عديدة على الوثيقة الورقية والتصديق الحضوري.

معاملة واحدة.. ومحطات متعددة

يروي مصطفى محمد، ولي أمر طالب انتقل من جرابلس بريف حلب إلى الحولة في حمص، أن معاملته بدأت من المدرسة الجديدة للحصول على وثيقة “لا مانع من الانتقال”، قبل أن يعود إلى المدرسة الأصلية في جرابلس لاستخراج التسلسل الدراسي والإضبارة.

ومن هناك انتقل إلى المجمع التربوي لتصديق التسلسل، ثم اضطر إلى التوجه إلى مديرية التربية في حلب للحصول على أختام شؤون الطلاب ومدير التربية، قبل أن يعود بالأوراق إلى المدرسة الجديدة لفتح إضبارة أخرى واستكمال الوثائق المطلوبة، ومنها إخراج القيد وصورة دفتر العائلة.

بهذا الشكل، لا يعود نقل الطالب مجرد إجراء تعليمي، بل يصبح رحلة بين المؤسسات. وكل محطة تعني وقتاً إضافياً ونفقات نقل وتعطيل عمل، فيما تتضاعف الكلفة على الأسر التي تقيم بعيداً عن مراكز المحافظات.

وتبدو المشكلة أكثر قسوة بالنسبة إلى النساء المعيلات أو الأشخاص الذين لا يعرفون المدن التي يضطرون إلى مراجعتها، إذ يتحول الوصول إلى جهة إدارية واحدة إلى عبء لوجستي بحد ذاته.

التصديق المركزي يربك “الخدمة الأقرب

تقول مديرية التربية في حلب إن التصديق المركزي عند النقل بين المحافظات يهدف إلى التأكد من صحة البيانات والوثائق وتوثيق عملية الانتقال رسمياً. أما النقل داخل المحافظة، فيمكن تفويض جزء من صلاحيات التصديق فيه إلى المجمعات التربوية.

لكن هذا التفريق يترك سؤالاً عملياً: لماذا لا يمكن توزيع جزء أكبر من الصلاحيات في حالات النقل بين المحافظات أيضاً، ما دام التحقق من الوثائق هو الغاية وليس حضور ولي الأمر شخصياً إلى مركز المديرية؟

ويطالب أولياء أمور بمنح المجمعات التربوية صلاحيات أوسع، أو إنشاء نقاط تصديق موزعة جغرافياً، بحيث يبقى التدقيق قائماً من دون أن يتحول ختم واحد إلى سبب لرحلة طويلة.

وتأتي هذه المطالب في وقت أكدت فيه الوزارة، مع بدء العام الدراسي 2026-2027، ضرورة تسهيل تسجيل الطلاب وتأمين حقهم في أقرب مدرسة إلى مكان السكن، والسماح بالتسجيل الشرطي وفق البيانات المتوافرة لدى ولي الأمر مع استكمال الوثائق لاحقاً.

الرقمنة موجودة.. لكن السجل لم يتحرر من الورق

المفارقة أن الوزارة قطعت خطوات فعلية في أتمتة بعض الخدمات التعليمية. فقد أطلقت التسجيل الإلكتروني لامتحانات الشهادات العامة، وأكدت أن التوسع في التطبيقات الرقمية يهدف إلى تقليل الوقت والجهد والكلفة والحد من المعاملات الورقية.

لكن هذه الرقمنة تبدو حتى الآن مجزأة أكثر مما هي منظومة متكاملة. فالطالب قد يمتلك بياناته في مؤسسة تعليمية، ثم يُطلب من أسرته إثبات البيانات نفسها بوثائق ورقية تنتقل بين المدارس والمجمعات والمديريات.

وهنا لا تبدو المشكلة في غياب التكنولوجيا بقدر ما تبدو في عدم ربط المؤسسات التعليمية بقاعدة بيانات موحدة تستطيع التحقق من السجل الدراسي مباشرة.

البيروقراطية تدفع ثمنها الأسرة

لا يحمل ولي الأمر مسؤولية تباعد المؤسسات التربوية، ولا ينبغي أن تتحول الإجراءات الموضوعة لحماية السجلات إلى كلفة إضافية على الأسرة.

كما أن تكرار الوثائق، وإعادة تصديقها، والعودة إلى الجهة الأولى بعد استكمال أختام جهة أخرى، كلها مؤشرات على أن تصميم المعاملة ما يزال ينطلق من راحة المؤسسة الإدارية أكثر مما ينطلق من رحلة المواطن داخلها.

ولا يعني تبسيط نقل السجلات إلغاء الرقابة أو فتح الباب أمام التلاعب. العكس هو الصحيح: نظام إلكتروني موحد يمكن أن يجعل التحقق أكثر دقة، ويتيح معرفة تاريخ الطالب الدراسي ومصدر الوثيقة والجهة التي اعتمدتها، ويقلل في الوقت نفسه مساحة الخطأ والتزوير.

وتظهر الوزارة نفسها أن الأتمتة ممكنة عندما تتوفر الإرادة والبنية التقنية؛ فقد أتاحت في خدمات أخرى رفع الوثائق إلكترونياً ومعالجة الطلبات رقمياً.

لذلك، تبدو المشكلة الحالية أقل ارتباطاً بضرورة وجود الأختام وأكثر ارتباطاً بتأخر إعادة تصميم الخدمة نفسها. فبعد سنوات من التنقل والنزوح وتغير أماكن السكن، لم يعد منطقياً أن يبقى انتقال طالب بين محافظتين مرتبطاً برحلة ورقية قد تتطلب مدرسة ومجمعاً ومديرية وعودة إلى نقطة البداية.

في التعليم، لا ينبغي أن تكون المسافة بين بيت الطالب ومدرسته هي المسافة نفسها التي تفصل ولي أمره عن ملفه الدراسي. وإلى أن يصبح السجل الطلابي موحداً وقابلاً للتحقق إلكترونياً، ستبقى “معاملة النقل” اختباراً يومياً لقدرة الإدارة التربوية على تحويل حديثها عن التبسيط والرقمنة إلى خدمة تصل فعلاً إلى الناس.

 

اقرأ ايضاً: توحيد المناهج في سوريا.. وزارة التربية تجمع الكتب وتترك فجوات السنوات السابقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.