تراجع التعليم الحكومي يدفع مزيداً من السوريين نحو المدارس الخاصة
رغم ارتفاع كلفة التعليم الخاص في سوريا، يواصل عدد من الأهالي اللجوء إليه باعتباره خياراً لتأمين بيئة تعليمية يرون أنها أفضل لأطفالهم، في ظل مشكلات متراكمة في المدارس الحكومية تشمل نقص الكوادر والكتب والمقاعد ووسائل التعليم، إلى جانب الاكتظاظ والتسرب الدراسي.
وتتزامن هذه التحولات مع ارتفاع أعداد التلامذة في المدارس السورية إلى أكثر من خمسة ملايين خلال العام الدراسي الحالي، بينما لا تزال آلاف المدارس خارج الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات الحرب، ما يزيد الضغط على القطاع التعليمي الرسمي.
كلفة إضافية مقابل التعليم الخاص
تقول سعاد، المقيمة في ريف دمشق، إنها اختارت تسجيل طفليها في مدرسة خاصة رغم أن التعليم الحكومي لا يفرض أقساطاً دراسية. وتبلغ كلفة تعليم طفليها، رؤى في الصف الخامس وعبيدة في الصف الأول، نحو 1300 دولار سنوياً.
وتوضح سعاد أن اختيارها لا يرتبط بالقدرة على تحمل الكلفة بقدر ارتباطه بمحاولة تأمين مستوى تعليمي أفضل وبيئة تربوية مناسبة، مشيرة إلى أن المدرسة الحكومية تفرض على الأسرة بعض النفقات المحدودة مثل المصروف اليومي والقرطاسية واللباس المدرسي غير الإلزامي.
وبحسب تجربتها، تعاني المدارس الحكومية من نقص في أعداد المدرسين، بالتزامن مع اكتظاظ الصفوف وسوء حالة بعض المقاعد والنظافة. وترى أن هذه المشكلات تترافق مع ظاهرة التسرب الدراسي التي لم تجد، حتى الآن، حلولاً جذرية.
نقص الكتب والكوادر في المدارس الحكومية
ولا تقتصر المشكلات التي تواجه التعليم الحكومي على الاكتظاظ أو البنية التحتية. ويشير الأستاذ عبد الملك الحاج عثمان إلى نقص الكتب المدرسية في عدد كبير من المدارس، موضحاً أن معظم مدارس ريف إدلب عانت خلال العام الماضي من نقص شديد في الكتب.
ويضيف أن أدوات التعليم والإيضاح غير متوفرة في معظم المدارس، بالتوازي مع نقص أعداد المعلمين والمعلمات، ولا سيما في اختصاصات العلوم الكونية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء.
بدوره، يقول الخبير التربوي محمد المحمد إن قسماً كبيراً من المدارس العامة يعاني نقصاً في وسائل التدفئة والمقاعد وأعمال الصيانة، ما ينعكس على البيئة الصفية وجودة التعليم، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الطلاب داخل الصفوف.
ويرى المحمد أن المناهج الدراسية تحتاج أيضاً إلى مراجعة وتدقيق في مختلف المراحل، بالتزامن مع استمرار مشكلة تأمين العدد الكافي من الكتب المدرسية مع بداية كل عام دراسي.
المدارس الخاصة تجذب الكوادر والطلاب
ساهمت المشكلات التي تواجه التعليم الرسمي في زيادة الإقبال على المدارس الخاصة، بحسب المحمد، الذي يرى أن هذا القطاع يخفف جزءاً من الضغط عن المدارس الحكومية، لكنه لا يمثل حلاً شاملاً لمشكلة التعليم في سوريا، ولا يغني عن تطوير التعليم العام وضمان تكافؤ الفرص بين الطلاب.
وفي إدلب، ترى مرام، وهي من سكان المحافظة، أن المدارس الخاصة شكلت خلال السنوات الماضية خياراً أكثر قبولاً بالنسبة إلى كثير من الأهالي مقارنة بالمدارس الحكومية.
وتقول إن المدارس الخاصة توفر، بحسب تجربتها، بيئة أكثر نظافة وتجهيزاً، مع مقاعد أفضل وظروف أكثر راحة للتلامذة، إضافة إلى قدرتها على استقطاب مئات المعلمين والمعلمات ذوي الخبرة في مختلف المراحل الدراسية.
وتربط مرام هذا الاستقطاب بالفارق في الدخل، إذ أصبحت المدارس الخاصة، وفق قولها، بيئة جاذبة لعدد من الكوادر العاملة في المدارس الحكومية بسبب العائد المادي الأعلى.
وتقدر متوسط الرسوم السنوية للطالب في المرحلة الابتدائية بإدلب بنحو 400 دولار، فيما يبلغ متوسط القسط السنوي في المرحلة الثانوية نحو 700 دولار، وهي تكاليف تقول إنها تبقى أقل من تلك المسجلة في محافظات أخرى، مثل دمشق وريفها وحلب.
أقساط مرتفعة تثقل الأسر
في المقابل، تشكل تكاليف التعليم الخاص عبئاً متزايداً على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، ولا تقتصر النفقات على الأقساط، بل تشمل أيضاً النقل والكتب واللباس المدرسي وغيرها من المستلزمات.
وتقول عفراء، وهي من دمشق، إن قيمة الأقساط تختلف باختلاف المرحلة الدراسية. وتبدأ رسوم المرحلة الابتدائية في المدارس الخاصة بدمشق، بحسب تجربتها، من نحو 1200 دولار سنوياً، بينما لا تقل رسوم المرحلة الإعدادية عن 1400 دولار، وقد تصل رسوم المرحلة الثانوية إلى قرابة ألفي دولار سنوياً.
وتوضح عفراء أنها حاولت العثور على مدرسة خاصة بتكلفة أقل، خصوصاً أن القسط السنوي يعادل راتب زوجها لثلاثة أشهر، لكنها لم تتمكن من ذلك، ما دفعها إلى الاستمرار في الخيار الحالي باعتباره حلاً مؤقتاً، بانتظار تحسن مستوى التعليم الحكومي.
وتشير إلى أن المدارس الحكومية كانت تتمتع بمستوى تعليمي مقبول في العقود التي سبقت اندلاع الثورة السورية، مقارنة بالواقع الحالي.
مخاوف من اتساع الفجوة التعليمية
ولا ينظر جميع الأهالي والعاملين في التعليم إلى توسع المدارس الخاصة باعتباره تطوراً إيجابياً. فإلى جانب ارتفاع تكلفتها، يلفت بعض الآباء والمعلمين إلى أن انتشارها يحدث في مجتمع يعاني قسم كبير من أفراده من الفقر، ما يجعل الاستفادة منها مرتبطة بالقدرة المالية للأسرة.
ويلجأ بعض الطلاب إلى المدارس الخاصة بسبب اعتمادها على وسائل تعليمية حديثة تساعد، بحسب ما يراه أصحاب هذه التجربة، في تحويل الدروس إلى تطبيقات عملية وتسهيل استيعابها، في وقت تفتقر فيه معظم المدارس الحكومية إلى كثير من أدوات ووسائل التعليم الحديثة.
ويرى عبد الملك عثمان أن استمرار توسع التعليم الخاص قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الطلاب، بحيث تصبح المدارس الخاصة خياراً متاحاً بصورة أكبر للأسر الميسورة، بينما يتركز أبناء الأسر الأقل دخلاً في المدارس الحكومية، وهو ما قد ينعكس على صورة التعليم الرسمي ودوره.
أكثر من 5 ملايين تلميذ
تواجه المدارس السورية تحدياً إضافياً مع الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب. ووفق أرقام وزارة التربية الواردة في المادة، ارتفع عدد التلامذة من 3.9 ملايين خلال العام الدراسي 2024-2025 إلى أكثر من خمسة ملايين تلميذ حالياً.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت لا تزال فيه نحو 5500 مدرسة في سوريا خارج الخدمة نتيجة الأضرار التي خلفتها الحرب. ومن أصل 8 آلاف مدرسة متضررة، تمكنت وزارة التربية من إعادة 1500 مدرسة إلى الخدمة، وفق الأرقام الواردة في المادة.
وتضيف هذه المعطيات ضغطاً إضافياً على المدارس الحكومية، في ظل الحاجة إلى استيعاب الأعداد المتزايدة وتأمين الكوادر والكتب والمستلزمات والبنية التحتية اللازمة للعملية التعليمية.
مناهج موحدة وخطة لتأمين الكتب
ومن المقرر خلال العام الدراسي 2026-2027 تطبيق مناهج دراسية موحدة في مختلف المحافظات، على أن يعتمد منهاج العام الدراسي 2026-2025، المعروف باسم “منهاج دمشق”، خلال العام الجديد.
وبحسب التقارير الحكومية، أنجزت وزارة التربية المعايير الوطنية للمناهج الجديدة تمهيداً للانتقال إلى مرحلة التأليف.
وفي ملف الكتب المدرسية، أفادت التقارير بأن الوزارة تمكنت من تأمين نحو 24 مليون كتاب للعام الدراسي 2025-2026، إلى جانب إعادة استخدام نحو 7 ملايين كتاب مدوّر، كما وضعت خطة مبكرة لتأمين احتياجات العام الدراسي 2026-2027، مع توجه نحو أتمتة عمليات التوزيع ومتابعة نسب الإنجاز.
وأكدت الوزارة أن المطابع تواصل طباعة الكتب وتجهيزها وتوزيعها لتلبية احتياجات المدارس، خصوصاً مع ارتفاع أعداد الطلاب العائدين إلى سوريا، بالتوازي مع العمل على أتمتة عمليات التوزيع ومتابعتها ومعالجة العقبات اللوجستية التي يمكن أن تؤخر وصول الكتب إلى المدارس
اقرأ أيضاً:اكتظاظ المدارس في سوريا.. طلاب يفترشون الأرض وآلاف الأبنية خارج الخدمة