سد الفرات في سوريا أمام تحديات فنية ومائية.. مطالب بتقييم سلامته بعد سنوات من الحرب
يواجه سد الفرات في محافظة الرقة تحديات متراكمة تتعلق بسلامته الإنشائية وكفاءة تشغيله، في ظل سنوات طويلة من تراجع أعمال الصيانة والمراقبة، وتقلبات الموارد المائية بين موجات الجفاف وارتفاع الواردات خلال فترات الهطولات المطرية.
وتعيد التطورات الأخيرة، بما فيها الاضطرار إلى فتح بوابات السد مع ارتفاع تدفق المياه القادمة من تركيا، طرح تساؤلات بشأن جاهزية المنشأة وقدرتها على التعامل مع التغيرات في الوارد المائي، ولا سيما في ظل غياب تقييمات فنية شاملة لسلامة السد، بحسب مهندسين وخبراء تحدثوا لـ«المدن».
وتتداخل هذه التحديات مع آثار سنوات الحرب، والتغيرات التي طرأت على إدارة المنشآت المائية، إضافة إلى الهزات الأرضية التي شهدتها المنطقة عقب زلزال تركيا وسوريا عام 2023، ما يعزز الحاجة إلى فحوص إنشائية وتشغيلية لتحديد الوضع الراهن للسد وتقدير المخاطر المحتملة.
15 عاماً من تراجع الصيانة وتفاقم أزمة المياه
يقول الدكتور أحمد غازي مجر، خبير إدارة الترب المالحة والمياه، إن سد الفرات شهد خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2026 تراجعاً في دوره ضمن منظومة المياه والطاقة في سوريا، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الجفاف وانخفاض الواردات المائية، والتغيرات في السيطرة العسكرية والإدارية، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتراجع أعمال الصيانة.
ويشير مجر إلى أن إدارة مرافق السد عادت إلى العاملين والفنيين المختصين في كانون الثاني 2026، وفق ما أعلنته وزارة الطاقة السورية، بعد سنوات من الاضطرابات التي أثرت على آليات تشغيل المنشأة وصيانتها.
ويضيف أن التحديات لا تقتصر على الأضرار المباشرة للحرب، بل تشمل أيضاً التوترات المتعلقة بتدفقات مياه نهر الفرات من تركيا، وضعف كفاءة استخدام الموارد المائية داخل سوريا، ومشكلات شبكات الري والصرف والتجهيزات المرتبطة بتشغيل السد.
انخفاض منسوب بحيرة الأسد وتأثيره على الكهرباء والزراعة
إلى جانب الأضرار المرتبطة بالحرب، شكّلت موجات الجفاف خلال السنوات الماضية ضغطاً إضافياً على بحيرة الأسد، التي يشكل مخزونها المائي أساساً لتشغيل سد الفرات وتأمين احتياجات قطاعات الزراعة والطاقة.
ويلفت مجر إلى أن دراسة حديثة لمؤسسة «كارنيغي» أشارت إلى اقتراب بحيرة الأسد، خلال موجة الجفاف بين عامي 2020 و2022، من منسوب التخزين الميت بفارق يقارب مترًا واحداً، وهو مستوى يهدد كفاءة تشغيل العنفات ويحد من القدرة على الاستفادة من المخزون المائي.
كما وثقت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» عام 2023 تعطل عمليات الري في أجزاء من محافظتي الرقة ودير الزور نتيجة انخفاض تدفق المياه، الأمر الذي دفع المنظمة وشركاءها إلى إعادة تأهيل عدد من المضخات للتكيف مع المناسيب الجديدة.
وتبرز تركيا بوصفها أحد العوامل المؤثرة في واقع الموارد المائية لنهر الفرات، في ظل استمرار الخلافات حول كميات المياه المتدفقة إلى سوريا والعراق.
وفي هذا السياق، ينص البروتوكول الموقع بين سوريا وتركيا عام 1987 على تمرير متوسط تدفق شهري يبلغ 500 متر مكعب في الثانية إلى سوريا. وفي المقابل، تؤكد أنقرة عدم استخدام المياه أداة للضغط السياسي، بينما تتهم مصادر سورية ومنظمات محلية تركيا بخفض التدفقات، ولا سيما منذ عام 2020، ما ساهم في زيادة الضغوط المائية على دولتي المصب.
ويرى مجر أن انخفاض المخزون المائي لا يؤثر على الزراعة وحدها، بل ينعكس أيضاً على إنتاج الكهرباء وتشغيل محطات ضخ المياه، موضحاً أن كفاءة المنظومة تعتمد على سلامة شبكات الري والصرف، وكفاءة المضخات والعنفات، والحد من الفاقد المائي.
ويؤدي تراجع منسوب البحيرة إلى زيادة صعوبة تشغيل العنفات عند المستويات المنخفضة، بالتزامن مع ارتفاع الحاجة إلى المياه لأغراض الشرب والري. كما يحد نقص الكهرباء من قدرة محطات الضخ على العمل، ما ينعكس سلباً على الإنتاج الزراعي.
ويصف مجر هذه العلاقة بأنها حلقة مترابطة تبدأ بانخفاض الموارد المائية، ثم تراجع إنتاج الكهرباء وقدرات الضخ، وصولاً إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وزيادة الضغط على ما تبقى من المخزون، وهو ما يرفع احتمالات الاقتراب من مستويات التخزين الحرجة.
غياب التقييمات الإنشائية يثير مخاوف بشأن سلامة السد
على المستوى الهندسي، تتعلق أبرز المخاوف بمدى سلامة المنشآت المائية على نهر الفرات، في ظل غياب تقييمات فنية دورية خلال سنوات طويلة.
ويقول مهندس سبق له العمل في عدد من المنشآت المائية، وفضّل عدم الكشف عن اسمه، إن سدود الفرات الثلاثة، وهي الطبقة وكديران ومنبج، لم تخضع، بحسب معلوماته، لتقييم شامل للسلامة الإنشائية والاستقرار وحساب عوامل الأمان منذ نحو عشرين عاماً.
ويشير إلى أن المعايير الفنية المعمول بها في إدارة السدود تتطلب إجراء تقييمات دورية، لافتاً إلى أن السنوات الماضية شهدت تغيرات في مناسيب التخزين وكميات المياه الممررة وآليات التشغيل، إلى جانب تعرض المنطقة لهزات أرضية ومعارك وتفجيرات.
ويضيف أن غياب أجهزة القياس والمراقبة، ونقص الكوادر الفنية المتخصصة، أثرا على إمكانية متابعة التغيرات الإنشائية في جسم السد والمنشآت التابعة له، معتبراً أن هذه المشكلة تفاقمت خلال سنوات سيطرة «قسد» على المنطقة.
ويحذر المهندس من أن تكرار عمليات فتح البوابات واستمرار تمرير كميات كبيرة من المياه يستدعيان مراقبة دقيقة للتأثيرات الهيدروليكية والإنشائية، مشيراً إلى احتمال حدوث اهتزازات أو تغيرات في بعض أجزاء المنشأة، فضلاً عن تأثيرات محتملة على أساسات السدود الترابية.
ويؤكد أن متابعة السد في الظروف الاستثنائية تتطلب زيادة وتيرة القياسات ومقارنتها بالقيم التصميمية والحدود المسموح بها، لرصد أي تغيرات قد تؤثر على استقراره.
ويحدد المهندس تسرب المياه والرشح في الأجزاء البيتونية أو جسم السد الترابي، إلى جانب الهبوط والانزياحات، باعتبارها من المؤشرات التي تستوجب متابعة فنية دقيقة، نظراً إلى ارتباطها المحتمل بسلامة المنشأة.
ويفرق في هذا السياق بين فحص التجهيزات الكهربائية والميكانيكية وبين التقييم الإنشائي الشامل، موضحاً أن التأكد من سلامة جسم السد واستقراره يتطلب دراسة هندسية متكاملة، وليس مجرد جولة تفقدية أو صيانة للمعدات.
ويستشهد بتقرير تقييم سد تشرين، الذي أُعد في سبعة مجلدات، وبلغ حجم كل منها نحو مئة صفحة، للدلالة على حجم العمل الفني المطلوب لإجراء تقييم مماثل لسد الفرات.
ارتفاع الواردات المائية والاستعداد لموسم الأمطار
تتزامن المخاوف المتعلقة بسلامة السد مع تحذيرات من تأثير التقلبات المناخية وارتفاع الهطولات المطرية في المنطقة، وما قد يرافقها من زيادة مفاجئة في كميات المياه الواردة إلى أحواض الأنهار والخزانات.
وفي هذا السياق، شهدت إسطنبول هطولات مطرية بلغت 273 ميليمتراً خلال يومين في تشرين الأول 2026، وفق الأرقام الواردة في التقرير، وهي كمية تقارب المتوسط السنوي للهطولات في سوريا، والمقدر بنحو 252 ميليمتراً.
وتشير هذه المعطيات إلى أهمية الاستعداد للتغيرات الحادة في الأحوال الجوية، وضمان جاهزية بوابات السدود والمفيضات ومنشآت تصريف المياه، ولا سيما السدود الترابية والتخزينية.
من جهته، يشدد المهندس بهاء ناشر النعم، في حديثه لـ«المدن»، على ضرورة تكثيف مراقبة سد الفرات والمناطق المحيطة به، وإجراء قياسات دورية لرصد أي توسع في الشقوق أو تغيرات في التربة والمنشآت القريبة.
ويشير إلى التشوهات الأرضية والتشققات التي رُصدت في منطقة الباغوز بريف دير الزور، والتي رجحت اللجنة الفنية أنها ناجمة عن عوامل جيولوجية وتأثيرات المياه في استقرار التربة، معتبراً أن هذه المعطيات تستدعي متابعة جيولوجية وهندسية للمناطق المحيطة بالمنشآت المائية.
وفيما يتعلق بالإجراءات المتخذة داخل السد، كشفت مصادر من المنشأة لـ«المدن» عن تأمين أجهزة للمراقبة والقياس المساحي خلال الفترة الأخيرة، ووجود مساعٍ لاستقطاب خبرات وطنية متخصصة، إلا أن هذه الخطوات ما تزال مرتبطة بالحصول على موافقة وزارة الطاقة.
وحذرت المصادر من بطء الإجراءات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استكمال التجهيزات الفنية ورفع جاهزية المنشأة، مع توقعات بارتفاع الوارد المائي إلى مستويات كبيرة.
وللوقوف على الوضع الحالي، تواصلت «المدن» مع هيثم بكور، مدير المؤسسة العامة لسد الفرات، الذي طلب توجيه الاستفسارات إلى المكتب الإعلامي في وزارة الطاقة. وأرسلت الصحيفة استفساراتها إلى المكتب، من دون تلقي رد حتى موعد إعداد التقرير.
إدارة المخاطر بدلاً من الاكتفاء بمعالجة الأزمات
لا تقتصر معالجة التحديات التي تواجه سد الفرات على تأمين كميات إضافية من المياه أو زيادة إنتاج الكهرباء، بل تتطلب، بحسب الخبراء، إعادة تنظيم إدارة الموارد المائية على مستوى حوض النهر بأكمله.
وفي هذا الإطار، يدعو الدكتور أحمد غازي مجر إلى اعتماد نظام متابعة يومي لمناسيب بحيرة الأسد والواردات المائية، وتحديد حد أدنى من المخزون الاستراتيجي لا يُستخدم إلا عند الضرورة، إلى جانب تنظيم عمليات توليد الكهرباء بما يراعي احتياجات مياه الشرب والزراعة.
كما يشدد على ضرورة إعادة تأهيل محطات الضخ وشبكات الري والصرف، وتحسين كفاءة استخدام المياه، والحد من مشكلات الملوحة والتغدق الزراعي، بالتوازي مع تطوير آليات التنسيق وتبادل البيانات بين سوريا وتركيا والعراق، خصوصاً خلال سنوات الجفاف.
من جانبه، يدعو المهندس بهاء ناشر النعم إلى الانتقال من إدارة الموارد المائية بالاعتماد على ردود الفعل إلى إدارة المخاطر والتخطيط المسبق، من خلال ما يسميه «هندسة الزمن المائي».
ويقوم هذا المفهوم على الاحتفاظ بجزء من الموارد المائية خلال سنوات الوفرة، بدلاً من استهلاك كامل المخزون المتاح، بما يسمح باستخدامه خلال سنوات الجفاف ويعزز القدرة على مواجهة التقلبات المناخية.
ويؤكد النعم أهمية حماية المخزون المائي وتحسين كفاءة استخدامه، إلى جانب التوسع في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها في ري المزروعات، بما يخفف الضغط على المياه العذبة المخصصة للشرب والاستخدامات الأساسية.
ويشير إلى أن استهلاك نحو 70% من المياه العذبة في الزراعة والري يعكس حجم التحدي المرتبط بكفاءة إدارة الموارد، ويستدعي تطوير أساليب الري وتقليل الهدر.
وبين تراجع الصيانة ومحدودية المراقبة وتقلبات الواردات المائية، تبدو سلامة سد الفرات مرتبطة بمدى سرعة استكمال التقييمات الهندسية وإعادة تأهيل منظومة التشغيل. فالتحدي لا يتعلق فقط بقدرة السد على استيعاب المياه أو توليد الكهرباء، بل بضمان استقرار منشأة استراتيجية ترتبط بها احتياجات ملايين السكان في قطاعات المياه والزراعة والطاقة.