التدفئة في سوريا.. ارتفاع الأسعار يضيّق خيارات الأسر مع اقتراب الشتاء

تتزايد أعباء تأمين التدفئة على الأسر السورية مع انخفاض درجات الحرارة واقتراب فصل الشتاء، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات ومواد التدفئة البديلة، وعدم تناسب تكاليفها مع مستويات الدخل. ورغم تعدد الخيارات المتاحة في الأسواق، من المازوت والغاز إلى الحطب وقشور اللوزيات والبيرين، تواجه عائلات صعوبة في تأمين احتياجاتها طوال الموسم.

ويُعد المازوت (الديزل) الخيار الأكثر انتشاراً للتدفئة في سوريا، إلا أن ارتفاع سعره دفع بعض الأسر إلى البحث عن بدائل، بينها المخلفات الزراعية التي تُستخدم وقوداً بعد معالجتها، في حين يظل اختيار وسيلة التدفئة مرتبطاً بتكلفة المادة ومدى توفر المدفأة المناسبة لها وكفاءة استخدامها.

وعود بتوفير مازوت مدعوم

كانت وزارة الطاقة السورية قد أعلنت عن خطة لطرح ثلاثة أنواع من المازوت بأسعار متفاوتة، تشمل نوعاً بسعر 175 ليرة للتر مخصصاً للسيارات الحديثة، وآخر بسعر 150 ليرة للتر يناسب الآليات الزراعية، وثالثاً بسعر 115 ليرة للتر، يُفترض طرحه ضمن آليات الدعم الحكومي لاستخدامات التدفئة.

وأعلن وزير الطاقة محمد البشر هذه التوجهات خلال مؤتمر صحافي عُقد في أيلول الماضي، على أن يبدأ طرح الأنواع الثلاثة خلال تشرين الأول.

لكن، وفق إفادات مواطنين، لم يتوفر في الأسواق حتى موعد إعداد التقرير سوى المازوت بسعر 175 ليرة للتر، ما أبقى تكلفة التدفئة مرتفعة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأسر، التي كانت تعوّل على طرح النوع الأقل سعراً لتخفيف أعبائها خلال الشتاء.

ويقول هشام الخالدي، وهو من سكان ريف حمص الشمالي، لـ«العربي الجديد»، إن انخفاض درجات الحرارة يجعله مضطراً إلى الاعتماد على المازوت، رغم ارتفاع تكلفته، موضحاً أنه يعتزم شراء برميل بسعر 175 ليرة للتر، بتكلفة إجمالية تقارب 260 دولاراً.

ويشير الخالدي إلى أن برميلاً واحداً لا يكفي لتغطية احتياجات المنزل طوال فصل الشتاء، لافتاً إلى أن أسرته تحتاج إلى تشغيل المدفأة نحو مئة يوم على الأقل، مع تقليل ساعات استخدامها خلال النهار لتخفيف النفقات، ولا سيما أن لديه ثلاثة أطفال يذهبون إلى المدارس.

ويضيف أن الأسرة تترقب طرح المازوت بالسعر المخفض، نظراً إلى الفارق بين الفئات السعرية المعلن عنها، والذي قد يتيح لها تأمين كمية أكبر من الوقود بتكلفة أقل.

قشور اللوزيات والبيرين.. بدائل مرتفعة التكلفة

إلى جانب المازوت، تتوفر في الأسواق السورية مواد تدفئة بديلة، أبرزها قشور الفستق الحلبي واللوز والبندق، التي يتراوح سعر الطن منها بين 290 و320 دولاراً، بحسب النوع.

وتُعد قشور الفستق الحلبي الأعلى سعراً بين هذه المواد، تليها قشور اللوز والبندق، لكنها تحتاج إلى مدافئ مخصصة، ما يضيف تكلفة أولية إلى نفقات التدفئة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي لا تمتلك هذا النوع من التجهيزات.

وبحسب رصد «العربي الجديد»، تصل أسعار بعض المدافئ المخصصة لحرق قشور اللوزيات إلى نحو 220 دولاراً للأنواع الجيدة، وهي مزودة بخزان لتخزين المادة وآلية تغذية تنقلها إلى غرفة الاحتراق وفق توقيت يمكن التحكم فيه.

ويقول آدم العمار، في حديثه لـ«العربي الجديد»، إن الاعتماد على قشور الفستق والبندق يوفر خياراً للتدفئة، لكنه لا يلغي مشكلة ارتفاع التكلفة، موضحاً أن سعر طن قشور الفستق ارتفع من نحو 220 دولاراً في الموسم الماضي إلى قرابة 320 دولاراً هذا العام.

ويضيف أن الكمية نفسها لم تعد في متناول أسرته، مشيراً إلى أنه يشتري نحو 50 كيلوغراماً في كل مرة بدلاً من شراء طن كامل، بسبب صعوبة توفير المبلغ المطلوب دفعة واحدة.

ويعتبر العمار أن عودة المازوت بالسعر المدعوم، وتحديداً الفئة التي أعلنت الوزارة أن سعرها سيبلغ 115 ليرة للتر، قد تدفعه إلى تغيير وسيلة التدفئة والعودة إلى استخدام الديزل.

التدفئة بالغاز.. خيار مرتبط بتوفر الأسطوانات

في المقابل، يلجأ بعض السوريين إلى الغاز المنزلي للتدفئة، خصوصاً في المنازل التي لا تتوفر فيها تجهيزات مناسبة لتركيب مدافئ المازوت أو الوقود الصلب.

ويقول خضر المحمد، وهو في الأربعينيات من عمره، لـ«العربي الجديد»، إن استهلاك نحو ثلاث أسطوانات غاز شهرياً قد يكون كافياً لتدفئة منزله، بتكلفة تبلغ نحو 1600 ليرة للأسطوانة الواحدة.

ويوضح أنه انتقل بين عدة منازل خلال السنوات الماضية، وأن المنزل الذي يقيم فيه حالياً لا تتوفر فيه مساحة مناسبة لتركيب مدفأة، فيما لا تمثل الكهرباء خياراً عملياً للتدفئة، ما يجعله يفضل استخدام الغاز من الناحية الاقتصادية.

لكن المحمد يشير إلى أن احتمال تكرار أزمة توفر أسطوانات الغاز التي شهدها الشتاء الماضي يبقى مصدر قلق، إذ إن الاعتماد على هذه الوسيلة يرتبط باستمرار توفر المادة في الأسواق وعدم ارتفاع تكلفتها.

أسعار المدافئ تضيف أعباء جديدة

ولا تقتصر نفقات التدفئة على شراء الوقود، بل تشمل أيضاً تكلفة المدافئ والتجهيزات اللازمة لاستخدام أنواع الوقود المختلفة.

وتبدأ أسعار مدافئ المازوت في سوريا من نحو 40 دولاراً، وترتفع بحسب الحجم والمواصفات والعلامة التجارية، لتصل بعض الأنواع إلى قرابة 260 دولاراً.

وتحظى هذه المدافئ بانتشار واسع بسبب سهولة تركيبها وتشغيلها وصيانتها نسبياً، لكن ارتفاع أسعار الديزل يجعل استخدامها مكلفاً بالنسبة إلى كثير من الأسر، التي تنتظر طرح الفئة المدعومة من الوقود.

وتعكس هذه المعطيات اتساع الفجوة بين تكاليف التدفئة والقدرة الشرائية للأسر السورية، إذ لم تعد المشكلة مرتبطة بغياب البدائل بقدر ما تتعلق بارتفاع أسعارها وتكاليف تجهيزاتها، فضلاً عن عدم استقرار توفر بعضها في الأسواق.

ومع استمرار الضغوط المعيشية، تضطر عائلات إلى تقليل كميات الوقود أو شراء احتياجاتها على دفعات، فيما يبقى تأمين التدفئة طوال فصل الشتاء تحدياً اقتصادياً يتجاوز قدرة كثير من الأسر.

اقرأ أيضاً:تحرك تشريعي جديد في الكونغرس الأميركي: “آلية العودة التلقائية للعقوبات” تعقّد مسار تخفيف الضغط عن سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.