البيرين في إدلب.. مخلفات الزيتون تتحول إلى وقود لمواجهة غلاء المحروقات
تدفع الزيادة في تكاليف التدفئة وارتفاع أسعار المحروقات سكاناً في محافظة إدلب إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، من بينها «البيرين»، المصنوع من مخلفات عصر الزيتون، والذي تحول تدريجياً من مادة ثانوية تنتجها المعاصر إلى مصدر وقود يُستخدم في تدفئة المنازل خلال فصل الشتاء.
وتُعرف هذه المادة محلياً باسم «تفل الزيتون»، وهي بقايا صلبة تنتج بعد استخراج الزيت من الثمار. ومع تزايد الحاجة إلى بدائل التدفئة، اتجهت بعض المعاصر والورش في إدلب إلى معالجة هذه المخلفات وضغطها في قوالب أسطوانية أو مربعة، لتصبح شبيهة بالفحم الصناعي وأسهل في النقل والتخزين والاستخدام.
وكان استخدام البيرين يقتصر في السابق على تدفئة المداجن والمنشآت الكبيرة، قبل أن يتوسع تدريجياً ليشمل الاستخدام المنزلي، مستفيداً من انتشار معاصر الزيتون في المحافظة وتوفر المواد الأولية اللازمة لإنتاجه.
من مخلفات المعاصر إلى قوالب للتدفئة
يشرح شريف محفوظ، العامل في أحد مكابس البيرين، مراحل إنتاج هذه المادة، موضحاً أن العملية تبدأ بجمع مخلفات الزيتون وتكديسها في ساحات المعاصر على شكل أكوام كبيرة، ثم تُترك فترة من الزمن حتى تجف وتتخمر، قبل الانتقال إلى مرحلة التصنيع.
وبحسب محفوظ، تُخلط أكوام التفل بالماء للحصول على قوام متماسك، ثم تُنقل المادة إلى المكبس الذي يتولى ضغطها وتشكيلها في قوالب جاهزة للاستخدام بعد تجفيفها.
من جهته، يوضح محمد، وهو عامل موسمي في إنتاج البيرين، أن آلية عمل المكابس تشبه تلك المستخدمة في صناعة قوالب البناء، إذ تخرج القطع بعد التشكيل وهي هشة وتحتاج إلى التجفيف قبل نقلها أو تخزينها.
ويضيف أن القوالب تُنشر في ساحات واسعة لمدة تصل إلى ثلاثة أيام، ثم تُجمع وتُرتب في قوالب كبيرة ضمن مرحلة تُعرف محلياً باسم «التستيف»، تمهيداً لتجهيزها وتسويقها.
كم تحتاج الأسرة من البيرين خلال الشتاء؟
يتفاوت استهلاك البيرين بين الأسر تبعاً لمساحة المنزل وعدد أفراد العائلة وساعات تشغيل المدفأة يومياً.
ويقول إحسان سلطان، أحد سكان بلدة سلقين بريف إدلب، إن احتياجات أسرته تتراوح بين طن وطن ونصف الطن خلال فصل الشتاء، مشيراً إلى أن كمية الاستهلاك ترتبط أساساً بعدد ساعات التدفئة اليومية.
ويوضح سلطان أنه اشترى الطن الواحد خلال الموسم الماضي مقابل 275 دولاراً، ويعتزم الاعتماد على البيرين مجدداً خلال الشتاء الحالي.
ويشير، في حديثه لموقع «سناك سوري»، إلى أن البيرين ليس بالضرورة الخيار الأرخص، لكنه يراه مناسباً من حيث كفاءة التدفئة، مقارنة ببعض البدائل مثل قشور اللوزيات والفحم، التي قد تكون أسعارها قريبة منه، فضلاً عن حاجتها إلى مدافئ مخصصة، بخلاف البيرين الذي يمكن استخدامه في أنواع من المدافئ الملائمة له.
مخاطر صحية مرتبطة بالاحتراق
رغم استخدام البيرين بديلاً عن بعض أنواع الوقود، فإن احتراقه قد ينتج عنه دخان وغازات ضارة، تتفاوت كمياتها تبعاً لتركيب المادة ودرجة جفافها وظروف الاحتراق ونوع المدفأة المستخدمة.
ويُعد أول أكسيد الكربون من أبرز المخاطر المرتبطة بعملية الاحتراق، إذ يمكن أن يتراكم داخل الأماكن المغلقة ويسبب التسمم والاختناق، وقد يؤدي التعرض لتركيزات مرتفعة منه إلى الوفاة. كما قد يتسبب الدخان الناتج عن الاحتراق في تهيج العينين والمجاري التنفسية والسعال.
وتتطلب الوقاية من هذه المخاطر استخدام مدافئ مجهزة بأنظمة مناسبة لتصريف نواتج الاحتراق إلى خارج المنزل، إلى جانب تأمين تهوية جيدة وعدم تشغيل المدافئ في غرف مغلقة.
ولا يرتبط الاعتماد على البيرين بالتكلفة ومخاطر الاستخدام فقط، بل يتأثر أيضاً بحجم إنتاج الزيتون خلال الموسم، إذ تتغير كميات المخلفات المتاحة من عام إلى آخر تبعاً للمحصول، ما ينعكس على حجم الإنتاج وأسعار المادة في الأسواق.
وبذلك، يظل البيرين أحد الخيارات التي يلجأ إليها سكان إدلب لتأمين التدفئة في ظل ارتفاع تكاليف المحروقات، لكن استمرارية توفره تبقى مرتبطة بمواسم الزيتون، فيما تظل شروط الاستخدام الآمن عاملاً أساسياً في الحد من مخاطره الصحية.
اقرأ أيضاً:التدفئة في سوريا.. ارتفاع الأسعار يضيّق خيارات الأسر مع اقتراب الشتاء