جبنة الرقة تتراجع من مؤونة الشتاء إلى سلعة كمالية.. ارتفاع الأسعار يخنق الأسر
لم تعد مؤونة الجبن في محافظة الرقة طقساً منزلياً موروثاً تنتظره العائلات مع حلول الموسم، بل تحولت تدريجياً إلى بند يمكن الاستغناء عنه عندما تضيق الميزانية. فارتفاع أسعار جبنة الغنم بأكثر من 30% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، ووصول سعر الكيلوغرام إلى نحو 46 ألف ليرة سورية قديمة، دفع أسرًا إلى تقليص كمياتها أو إلغاء المؤونة بالكامل، في انعكاس جديد لاتساع الفجوة بين أسعار الغذاء ودخول السكان.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة في الرقة، حيث ترتبط تربية المواشي بالاقتصاد المحلي وتعتمد عليها آلاف الأسر في إنتاج اللحوم والألبان ومشتقاتها والتجارة بها.
مؤونة تتقلص مع الراتب
تقول حليمة العلي إنها كانت تخزن سنوياً نحو 50 كيلوغراماً من الجبن، لكنها خفضت الكمية إلى النصف هذا العام بسبب ارتفاع الأسعار.
وبحسب روايتها، اشترت الكيلوغرام العام الماضي بنحو 33 ألف ليرة قديمة وتمكنت من تأمين كامل حاجتها، بينما أصبحت الكمية نفسها هذا الموسم خارج قدرتها الشرائية.
أما محمد الحمادة، فيقول إنه قرر عدم شراء الجبن كمؤونة هذا الشتاء، لأن تكلفة التنكة الواحدة تتجاوز مليون ليرة قديمة، وهو مبلغ يقترب من نصف راتب موظف لا يتجاوز دخله الشهري مليوني ليرة قديمة.
وهكذا، لا يعود الحديث عن ارتفاع سعر مادة غذائية منفردة، بل عن تآكل القدرة على شراء ما كان يعد من أساسيات المطبخ المنزلي.
من منتج محلي إلى سلعة يصعب شراؤها
تتوزع حركة بيع الألبان ومشتقاتها في أسواق الرقة بين سوق القوتلي وسوق المزارع، لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج ينعكس في النهاية على المستهلك.
فالمربون يواجهون كلفاً مرتفعة للأعلاف والرعاية والنقل، في وقت لا تزال الثروة الحيوانية تحمل آثار موجات الجفاف التي ضربت المحافظة خلال السنوات الماضية، وأدت إلى نفوق أعداد من المواشي وتراجع أعداد القطعان ومعدلات التكاثر.
ومع ارتفاع الكلفة، يصبح الحفاظ على القطيع نفسه أكثر صعوبة، فيما يؤدي تراجع الإنتاج المحلي إلى مزيد من الضغط على الأسعار.
ويشير تاجر مشتقات الحليب فواز الحمدي إلى أن موسم إنتاج الجبن بلغ ذروته قبل نحو 20 يوماً، وأن السعر ارتفع من قرابة 30 ألف ليرة للكيلوغرام في بداية الموسم إلى أكثر من 40 ألفاً لاحقاً.
لكن المفارقة أن ارتفاع السعر لم يؤد إلى ازدهار السوق، بل إلى العكس. فالحمدي يتحدث عن ضعف واضح في المبيعات محلياً، واقتصار شراء الجبن على شريحة محدودة من الأهالي.
حلب تستقبل الكميات.. والرقة تفقد قدرتها على الشراء
لا تبقى الكميات المنتجة من الجبن داخل الرقة، إذ تنتقل نسبة كبيرة منها إلى محافظات أخرى عبر التجار، وتأتي حلب في مقدمة الوجهات.
وتعكس هذه الحركة مفارقة اقتصادية واضحة: محافظة منتجة لمشتقات الحليب، لكن شريحة واسعة من سكانها لم تعد قادرة على شراء المنتج الذي تصنعه مواشيها.
وفي ظل تراجع القدرة الشرائية، باتت الأسر تعيد ترتيب أولوياتها، فتتقدم المواد الأكثر إلحاحاً على المؤونة التي كانت جزءاً ثابتاً من استعدادها للشتاء.
أزمة غذاء تكشف ضعف السياسة الزراعية
لا تبدو الحكومة السورية الانتقالية بعيدة عن هذه المعادلة، ليس لأن ارتفاع سعر الجبن يمكن نسبته إليها وحدها، وإنما لأن استمرار هشاشة الإنتاج الحيواني وارتفاع تكاليف الأعلاف وغياب تدخلات كافية لحماية المربين يعني أن السوق تُترك لتوازناتها القاسية.
فدعم الثروة الحيوانية لا يبدأ عند المستهلك، بل من تأمين الأعلاف والمياه والخدمات البيطرية ودعم المراعي، وصولاً إلى تنظيم التسويق بما يمنع اتساع الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر البيع.
أما عندما يصبح منتج محلي أساسي من مؤونة الأسر مادة كمالية، فالمشكلة لا تعود في الجبنة وحدها. إنها في اقتصاد يدفع المنتج إلى رفع السعر كي لا يخسر، ويدفع المستهلك إلى الامتناع عن الشراء لأنه لم يعد يملك ثمنه.
اقرأ أيضاً: أسعار الألبان والأجبان في سوريا تواصل الصعود.. المواطن يقلّص مائدته أمام أزمة الإنتاج والرقابة