كفاح المرأة الريفية في الحسكة: دور محوري في الزراعة وأجور لا تسد الرمق
مع ساعات الفجر الأولى وقبل أن تشتد حرارة الشمس، تشق مئات النساء في ريف الحسكة طريقهن نحو الحقول والحدائق الزراعية. لم يعد دور المرأة الريفية مقتصراً على المساعدة الجانبية، بل أصبحت شريكاً أساسياً في عجلة الإنتاج الزراعي؛ من قطاف الخضروات الصيفية إلى تعشيب القطن وجمع المحاصيل العطرية، في رحلة عمل شاقة تُقابل بأجور محدودة لا تتناسب مع متطلبات المعيشة المتزايدة.
مشقة العمل الميداني وأجور لا تتجاوز الحدود الدنيا
تتوزع مهام العاملات في حقول ريف القامشلي والحسكة بين جني المحاصيل، وتعبئة الأعلاف، والعمل داخل البيوت البلاستيكية. ورغم الجهد البدني الكبير وساعات العمل التي تمتد أحياناً لـ 8 ساعات تحت أشعة الشمس، تبقى العوائد المالية ضئيلة:
-
مستوى الأجور: تراوح الأجر اليومي للعاملات بين 60 و100 ألف ليرة سورية.
-
شهادات من الميدان:
-
تؤكد أميرة حسن، عاملة زراعية في ريف القامشلي، أن العمل يبدأ قبل شروق الشمس لتجنب الحر الشديد، مشيرة إلى أن الأجر اليومي يذهب بالكامل لتأمين الطعام والمصاريف الأساسية دون إمكانية للادخار.
-
توضح شيخة أحمد، وهي مهجرة من مدينة رأس العين (سري كانيه) وتعمل في الحقول، أن طول ساعات العمل والجهد المبدول لا ينعكسان على طبيعة الدخل، إذ يذهب ما يتقاضينه لسد الاحتياجات الضروية لأسرهن في ظل ارتفاع الأسعار.
-
دوافع اقتصادية وعلاقة متجذرة بالأرض
لم يكن هذا الحضور المكثف للنساء في القطاع الزراعي وليد المصادفة، بل جاء نتيجة تداخل العوامل التاريخية والضغوط الاقتصادية المتزايدة خلال السنوات الأخيرة.
توضح الناشطة النسوية نوفة علي لموقع “الترا سوريا” أن ارتباط المرأة الريفية بالأرض متجذر تاريخياً، إلا أن الأزمات الاقتصادية وتراجع الدخل لدى الأسر دفعت بأعداد أكبر من النساء إلى سوق العمل الزراعي، مما أظهر حجم مساهمتهن الفعلية في إدارة شؤون الأسرة وتأمين دخلها.
أبرز التحديات التي تواجه العاملات في الزراعة:
-
ضعف التقدير الاقتصادي: انخفاض الأجور وتفاوتها مقارنة بالجهد المبذول وساعات العمل.
-
غياب الحماية القانونية والأمنية: بروز مخاطر تتعلق بالضغوط النفسية والمضايقات في بيئة العمل، في ظل غياب آليات واضحة للشكاوى أو الرقابة على المباشرين والمشرفين.
-
الظروف المناخية القاسية: العمل المتواصل في تقلبات الطقس صيفاً وشتاءً.
رؤية هندسية ونقابية لتحسين ظروف العمل
من جانبه، يبين المهندس الزراعي غسان إبراهيم أن المساهمة النسائية اتسعت لتشمل زراعة محاصيل حيوية تعتمد أساساً على اليد العاملة مثل الكمون، وتعبئة الأعلاف كـ التبن، بالإضافة إلى العناية بالحدائق المنزلية لإنتاج الخضروات.
ولضمان بيئة عمل عادلة وآمنة للكوادر النسائية في القطاع الزراعي، يشدد خبراء ونشطاء على ضرورة اتخاذ خطوات عملية عاجلة:
-
التمثيل النقابي: زيادة نسبة تمثيل النساء داخل النقابات العمالية والزراعية لدعم حقوقهن.
-
عدالة الأجور: تحديد حد أدنى للأجور يضمن المساواة الكاملة مع أجور الرجال ويراعي ارتفاع تكاليف المعيشة.
-
تفعيل الرقابة: فرض آليات حماية قانونية صارمة لمنع الاستغلال الاقتصادي أو الفردي للعاملات في الحقول.
ورغم صعوبة الظروف، تُواصل نساء ريف الحسكة التكيف مع الواقع عبر العمل الميداني أو زراعة مساحات صغيرة حول منازلهن لتأمين القوت اليومي، في رسم لمشهد يُبرز حجم الصمود والدور الحيوي للمرأة الريفية في مواجهة الأزمات الاقتصادية.
إقرأ أيضاً: زراعة الموز في طرطوس تتراجع .. تحت ضغط التكاليف والمنافسة
إقرأ أيضاً: بين الجفاف والنزوح وفائض العمالة.. عمال الزراعة في درعا عالقون في دائرة الفقر والانتظار