بين الجفاف والنزوح وفائض العمالة.. عمال الزراعة في درعا عالقون في دائرة الفقر والانتظار
لم تعد الأراضي الزراعية في محافظة درعا تحمل فقط عبء الجفاف وتراجع الإنتاج، بل باتت تتحمل أيضًا أثقال أزمة إنسانية واجتماعية متفاقمة، بعدما تحولت مخيمات العمال الوافدين من شمال شرقي سوريا إلى مشهد دائم على أطراف الحقول والبلدات، في ظل منافسة شرسة على فرص عمل تتناقص يومًا بعد آخر.
وتضاعفت الضغوط على سوق العمل الزراعي في المحافظة بعد المعارك التي شهدتها السويداء في تموز 2025، والتي أدت إلى نزوح أعداد من العمال المقيمين هناك وخروج مساحات زراعية واسعة عن الخدمة، لتترك درعا أمام فائض كبير في اليد العاملة، في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي نفسه من أزمة مياه وتراجع في المساحات المزروعة.
عمال أكثر.. وفرص أقل
في أحد المخيمات قرب مدينة طفس غربي درعا، يروي محمد علي واقع المنافسة القاسية على لقمة العيش، موضحًا أن طلب متعهد زراعي لـ15 عاملًا قد يقابله حضور 30 عاملًا أو أكثر، ما يفرض تقليص ساعات العمل وتوزيع الفرص على عدد أكبر من الأشخاص.
ويقول إن أفراد أسرته يتقاضون نحو 70 ليرة سورية جديدة للساعة الواحدة، أي ما يعادل قرابة نصف دولار، بينما لا تتجاوز ساعات العمل في بعض الأيام ثلاث ساعات، في حين يضطر عمال آخرون إلى قبول أجور أدنى تصل إلى 50 ليرة للساعة، مستفيدين أصحاب المشاريع من حالة الحاجة والبطالة المتزايدة.
ويعيش محمد مع مئات العائلات في خيام نُصبت داخل باحة مدرسة مدمرة قرب أراضٍ حكومية، حيث أصبحت الخيمة ملاذًا مؤقتًا تحول مع مرور الوقت إلى عنوان طويل للحرمان وغياب الاستقرار.
مخيمات بلا ماء ولا خدمات
لا تقتصر معاناة العمال على نقص العمل، بل تمتد إلى أبسط مقومات الحياة. فمعظم المخيمات تفتقر إلى شبكات مياه الشرب والصرف الصحي والخدمات الطبية، ما يضع العائلات أمام أعباء إضافية في بيئة معيشية شديدة الهشاشة.
وتقول فاطمة الجابر، التي تقيم في مخيم قرب مدينة داعل، إن العائلات تستأجر الأراضي التي تقام عليها الخيام وتقاسم تكاليفها، بينما يصبح تأمين الطعام والمياه والدواء معركة يومية في ظل غياب فرص العمل المنتظمة.
ويضيف محمد العلي أن شراء خزان مياه كل يومين بات عبئًا لا يقل قسوة عن البحث عن عمل، خصوصًا مع تراجع الدخل وارتفاع الاحتياجات الأساسية.
الزراعة تنكمش والبطالة تتسع
في المقابل، لم يعد القطاع الزراعي قادرًا على استيعاب الأعداد المتزايدة من العمال، إذ يشير سليمان العلي، وهو من مهجري الحسكة، إلى أن كثيرًا من المزارعين اتجهوا نحو زراعة الأشجار المثمرة مثل الزيتون والرمان واللوزيات بدل الخضراوات التي تحتاج إلى عمالة كثيفة.
ويعود هذا التحول إلى تفاقم أزمة الجفاف وارتفاع تكاليف استخراج المياه، بعدما جفت ينابيع رئيسية في المحافظة وتراجع منسوب المياه الجوفية، ما دفع الأهالي إلى حفر آبار عميقة تصل أحيانًا إلى أكثر من 300 متر.
نزوح جديد يفاقم أزمة قديمة
أدت أحداث السويداء الدامية إلى موجة نزوح جديدة باتجاه ريف درعا، شملت عائلات بدوية وعمالًا مهجرين من شمال شرقي سوريا، لتتكدس الأزمات فوق بعضها في محافظة تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وتراجع في الموارد.
وفي ظل غياب خطط إغاثية وتنموية حقيقية، يجد آلاف العمال أنفسهم بين أرض زراعية لم تعد قادرة على توفير العمل، ومخيمات تفتقر لأبسط شروط الحياة، لتتحول رحلة البحث عن الرزق إلى مواجهة يومية مع الفقر والعطش وانعدام الأمان.