أكشاك دمشق.. استثمار للمواقع العامة بكلفة متفاوتة وشروط تضيق على أصحابها
تطرح محافظة دمشق الأكشاك المنتشرة في المدينة للاستثمار بوصفها جزءاً من تنظيم المواقع العامة وتحويلها إلى أنشطة تجارية، لكن تفاصيل التجربة تكشف مساحة واسعة بين ما تريده الإدارة من المشروع وما يستطيع المستثمر أو العامل تحمّله فعلياً، في ظل شروط فنية ومالية متفاوتة من موقع إلى آخر، ورقابة حكومية لا تبدو كافية لضمان توازن واضح بين حق المحافظة في استثمار أملاكها وحق المستثمر في الحصول على نشاط قابل للاستمرار.
ولا تعتمد المحافظة بدل استثمار موحداً للأكشاك، إذ تتفاوت القيمة تبعاً للموقع وطبيعته، بينما يحدد المستثمر عرضه المالي ضمن استمارة التقديم. وبينما قد تصل قيمة الاستثمار في بعض المواقع إلى 20 مليون ليرة قديمة، ترتفع في مواقع أخرى إلى 300 أو 400 مليون ليرة سنوياً، وهو تفاوت يعكس أهمية الموقع لكنه يفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للتساؤل حول قدرة الأنشطة التجارية الصغيرة على تحمل هذه الكلف.
شروط موحدة.. مواقع غير متساوية
يُلزم المستثمر بتنفيذ الكشك وفق نموذج فني محدد، بأبعاد تبلغ 2×3 أمتار، وباستخدام مواد معينة، بينها “الأسمنت بورد”، إلى جانب تجهيز حوض للزريعة والاعتماد على الطاقة الشمسية. وتقتصر الأنشطة المسموح بها على بيع السندويشات الباردة والمشروبات أو تشغيل “ميني ماركت”.
ويبدو توحيد المواصفات خطوة تنظيمية ضرورية، إلا أن المشكلة تظهر عندما تُفرض الشروط نفسها على مواقع تختلف في حركة المارة والقدرة الشرائية وطبيعة النشاط التجاري. فالكشك الذي يقع في نقطة حيوية لا يشبه آخر في شارع أقل حركة، بينما تبقى الكلفة الاستثمارية محكومة بالموقع والمزاد، ما يجعل نجاح المشروع مرتبطاً بعوامل تتجاوز قدرة المستثمر على التحكم بها.
ويقول عدنان حسيني، صاحب أحد الأكشاك في الجسر الأبيض، إن مدة الاستثمار تبلغ أربع سنوات، وبعد انتهائها تعود ملكية الكشك إلى محافظة دمشق. أما معاذ، العامل في أحد أكشاك صلاح الدين، فيلفت إلى ضيق المساحة المخصصة لعرض البضائع خارج الكشك، والتي تبلغ نحو ثلاثة أمتار، بما يحد من قدرة العاملين على عرض المنتجات واستثمار المساحة المتاحة.
222 كشكاً.. نصفها ينتظر المستثمرين
بحسب مديرية الشؤون والأملاك في محافظة دمشق، يبلغ عدد الأكشاك في المدينة 222 كشكاً، بينها 111 كشكاً قيد الاستثمار و111 أخرى قيد الطرح، فيما تستعد المحافظة أيضاً لطرح 50 سيارة “فود تراك”.
وتعلن المحافظة المواقع عبر صفحاتها الرسمية، ثم تستقبل عروض المستثمرين وفق دفتر شروط فني وحقوقي ومالي. ولا تقدم للمستثمر تجهيزات أو أثاثاً، بل تسلمه الموقع والشروط، ليكون ملزماً ببناء الكشك وتجهيزه على نفقته وفق المواصفات المطلوبة.
هذه الآلية تضع الجزء الأكبر من المخاطرة على المستثمر، من كلفة البناء والتجهيز إلى بدل الاستثمار والتشغيل، في وقت لا تقدم فيه المعطيات المنشورة تصوراً واضحاً عن دراسة الجدوى أو الحد الأدنى من العائد المتوقع لكل موقع.
تنظيم حكومي بلا رؤية اقتصادية واضحة
تؤكد المحافظة أن الجهات المختصة تراقب التزام المستثمر بالنشاط والمساحة والموقع والشروط الفنية، لكن الرقابة على الالتزام لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: هل صُممت هذه المشاريع أساساً بما يراعي واقع السوق وقدرة الأنشطة الصغيرة على الاستمرار؟
فالحكومة الانتقالية، عبر الإدارة المحلية، تبدو منشغلة بتوسيع قائمة المواقع المطروحة وتحويل المساحات العامة إلى فرص استثمارية، أكثر من انشغالها بتقييم الكلفة الاقتصادية الفعلية لهذه المشاريع. وبين مزاد يرفع بدل الاستثمار، وشروط تفرض نمطاً موحداً، ومساحات محدودة، يبقى نجاح التجربة مرهوناً بقدرة المستثمر على تحمل أعباء قد لا يتناسب حجمها مع طبيعة النشاط.
وبذلك، قد تتحول الأكشاك من وسيلة لتنظيم النشاط التجاري الصغير إلى نموذج آخر لاستثمار الأملاك العامة يركز على تحصيل الإيراد أكثر من بناء بيئة اقتصادية قابلة للحياة، خصوصاً إذا بقيت المحافظة تقيس نجاح المشروع بعدد الأكشاك المطروحة لا بعدد المشاريع التي استطاعت الاستمرار والعمل فعلياً.
اقرأ أيضاً: مشروع الأكشاك في دمشق يثير جدلًا واسعًا: دعم اجتماعي محدود وانتقادات شعبية متصاعدة