مشروع خط أنبوب (كركوك– بانياس): إعادة رسم الجغرافيا السياسية للنفط في المشرق العربي
لا تعبر الخرائط النفطية دائماً عن المذكرات الموقعة بالسرعة التي تبتغيها الأطراف؛ فخط كركوك – بانياس المطروح إقليمياً ليس مجرد مشروع نفطي يستعيد أرشيف الخمسينيات، بل هو محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، وتحويل اتجاه حركة النفط العراقي نحو المتوسط عبر الأراضي السورية.
خلف القدرة المعلنة للمشروع — والبالغة مليوني برميل يومياً — تقف إستراتيجية دولية لبناء نظام مصالح جديد يمتد من البصرة، مروراً بحديثة، وصولاً إلى بانياس وجيهان، ليتحول النفط من سلعة تجارية إلى أداة لإعادة ترتيب التوازنات في المشرق العربي.
البصرة نقطة الانطلاق الحقيقية وليس كركوك
تكشف القراءة الفنية للمشروع أن الممر الفعلي يتشكل من خط البصرة – حديثة، الذي أقره العراق بكلفة تُقدر بنحو 4.56$ مليارات دولار، بطول 685 كيلومتراً وقطر 56 بوصة، وبقدرة استيعابية تصل إلى 2.5 مليون برميل يومياً.
عند عقدة حديثة، يتشعب النفط العراقي إلى مسارين رئيسيين:
-
فرع شمالي: ينطلق نحو كركوك ومنها إلى ميناء جيهان التركي.
-
فرع غربي: يعبر البادية السورية وصولاً إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط.
حقائق أرقام التصدير:
تشير الأرقام إلى أن حقول كركوك تنتج حالياً نحو 300 ألف برميل يومياً (مع خطة للوصول إلى 450 ألفاً)، وهي كمية لا تغطي سوى ربع الطاقة المستهدفة للممر، مما يؤكد أن جنوب العراق (البصرة) هو الممول المباشر والمركز الحقيقي لهذا الخط.
مكاسب واشنطن وبغداد: تنويع منافذ التصدير والالتفاف على هرمز
تستند الرؤية العراقية والدولية لهذا الممر على عدة أبعاد إستراتيجية:
-
تجاوز مخاطر مضيق هرمز: يعتمد العراق في تمويل ميزانيته على تصدير نحو 3.4 ملايين برميل يومياً عبر موانئ البصرة. وتتيح شبكة الممرات الجديدة (بانياس، جيهان، والعقبة) قدرة أكبر على توزيع المخاطر وحماية الاقتصاد من التوترات البحرية.
-
استقلالية القرار النفطي: يضع خط (حديثة – بانياس) القرار التصديري بيد الحكومة الاتحادية في بغداد مباشرة، مما يعزز مركزية السياسة النفطية.
-
تغيير معادلات النفوذ الإقليمي: يهدف المشروع إلى تحويل الممر البري التاريخي إلى شبكة أنفاق اقتصادية وعقود استثمارية، تُضعف التحكم الفردي للمنافذ وتوفر بدائل أمنية واقتصادية مستقرة.
سوريا وتركيا: بين رسم العبور وكسر الاحتكار
تحمل خريطة الأنابيب الجديدة انعكسات متباينة على الدول المحورية في المسار:
1. الواقع السوري: منفذ جغرافي ودخل هامشي
تستعيد سوريا موقعها الكلاسيكي كممر رئيسي للنفط للوصول إلى المتوسط. ورغم التقديرات التي تتحدث عن رسوم عبور سنويا تتراوح بين 150 و200 مليون دولار، إلا أن المصلحة السورية تتطلب تجاوز “رسوم العبور” البسيطة نحو شراكات أوسع تشمل التكرير والتخزين وتأمين المشتقات، خاصة أن طاقة مصفاة بانياس (125 ألف برميل يومياً) تحتاج إلى استثمارات لتطوير البنية التحتية والموانئ.
2. الموقف التركي: منافسة وتوزيع للأدوار
يمس خط بانياس الطموح التركي لجعل ميناء جيهان المركز الحصري للطاقة شرق المتوسط. ومع اتجاه بغداد لطرح المسارين معاً، يسهم المسار السوري في كسر الاحتكار التركي لمنافذ التصدير الشمالية، مع بقاء خيار جيهان أكثر جاهزية من الناحية الفنية والتجارية حالياً.
التحديات الميدانية والجيوسياسية أمام تنفيذ المشروع
رغم الجدوى الإستراتيجية، يواجه تنفيذ هذا الخط على الأرض مجموعة من العقبات المعقدة:
-
الخطورة الأمنية: امتداد المسار عبر مناطق صحراوية شاسعة تتطلب تأميناً مكثفاً وحماية ضد أعمال التخريب.
-
التكاليف وإعادة التأهيل: تحتاج الأجزاء المتضررة من الشبكة السورية ومحطات الضخ القديمة إلى عمليات إعادة بناء شاملة وعقود إنشاء وهندسة لم تُقر بشكل نهائي بعد.
-
قيود الإنتاج والمنافسة: يتطلب تشغيل خطي بانياس وجيهان بكامل طاقتيهما كميات ضخمة تصل إلى 3.5 ملايين برميل يومياً، وهو ما قد يصطدم بسقوف إنتاج “أوبك” المحددة للعراق.
يبقى مشروع خط بانياس بمثابة اختبار عملي لإمكانية تحويل الممرات الجغرافية في الشرق الأوسط من ساحات صراع إلى شبكة مصالح اقتصادية وأمنية متبادلة تحت إدارة وإشراف الشركات العالمية.
إقرأ أيضاً: عودة خط كركوك–بانياس: هل يعيد النفط العراقي رسم خريطة الطاقة بين سوريا والعراق؟
إقرأ أيضاً: الاقتصاد العالمي يتباطأ.. هل تستطيع سوريا تحويل أزمات الجغرافيا السياسية إلى فرصة للخروج من العزلة؟