أزمة المياه في كرناز بريف حماة.. ألف عائلة بلا شبكة وحلول لا تتجاوز الترقيع
في كرناز بريف حماة، لا يكفي أن تكون المياه متصلة بالشبكة كي تصل إلى المنازل، ولا أن تُعلن مشاريع التأهيل كي تنتهي المعاناة. فبعد عودة أعداد كبيرة من الأهالي عقب سقوط النظام، اصطدمت البلدة بشبكة متهالكة وضخ متباعد لا يلبي الاحتياجات، فيما بقيت أحياء كاملة خارج الخدمة منذ سنوات طويلة، وأصبح شراء المياه بالصهاريج بنداً ثابتاً في نفقات الأسر.
المشهد لا يعكس نقصاً عابراً في التزويد، بقدر ما يكشف تراكم الإهمال في بنية خدمية لم تواكب احتياجات السكان، حتى باتت عودة الأهالي إلى منازلهم تسبقها أزمة تأمين أحد أبسط متطلبات الحياة.
خمسة أيام انتظار ولا تكفي المياه
يقول خالد الأحمد، البالغ 53 عاماً والأب لطفلين، لعنب بلدي، إن المياه كانت تصل إلى منزله مرة كل خمسة أيام، لمدة 24 ساعة، لكن ضعف الضخ يحول دون الاستفادة من الكمية المفترضة. ومع عجز الشبكة عن تغطية احتياجات الأسر، يضطر السكان إلى تقنين الاستهلاك طوال الأسبوع، فيما تلجأ عائلات إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة.
وبحسب الأحمد، بلغ سعر ألف ليتر نحو 450 ليرة سورية، ووصلت كلفة الصهاريج الشهرية للأسرة إلى قرابة خمسة آلاف ليرة. وهكذا، لا تنتهي المشكلة عند انقطاع المياه، بل تمتد إلى جيوب السكان، الذين يدفعون ثمن قصور الخدمة العامة من دخلهم المحدود.
وتتضاعف الأزمة في الحي الشمالي المطل على طريق المغير، حيث يقول رئيس بلدية كرناز، مهند العبود، إن نحو ألف عائلة محرومة من شبكة المياه منذ أكثر من 20 عاماً. كما تعاني توسعات سكنية تضم عائلات عائدة من غياب الخدمات، لوقوعها خارج المخطط التنظيمي.
وبينما شهد الحي الغربي تحسناً بعد تجهيز بئر ومد خطوط جديدة بمساعدة إحدى المنظمات، بقيت المعالجة محصورة بمناطق محددة، فيما يضطر سكان الأحياء المحرومة إلى شراء كامل احتياجاتهم من الصهاريج.
محطة تتعرض للسرقة وشبكة تنتظر التأهيل
توضح رئيسة وحدة مياه السقيلبية، مجيدة فرج، أن محطة كرناز تعرضت للسرقة مرات عدة، في ظل غياب السور ونظام المراقبة والإنارة الكافية، إضافة إلى تعطل تجهيزات أساسية. وشملت أعمال التأهيل تركيب نظام مراقبة، واستبدال معدات ميكانيكية وكهربائية، وإنشاء سور لحماية المحطة والبئر ومركز التحويل ومنظومة الطاقة الشمسية، التي بلغت استطاعتها بعد التأهيل 84.6 كيلوواط.
كما تضمنت الأعمال تمديد قساطل بولي إيثيلين جديدة في الحارة الغربية، التي افتقرت سابقاً إلى شبكة مياه، على أن يستفيد من المشروع نحو 600 أسرة، مع توقع إنجاز الأعمال مطلع تشرين الثاني المقبل، وفق فرج.
لكن تكرار سرقة التجهيزات يطرح سؤالاً يتجاوز حماية محطة بعينها: كيف تُترك منشأة حيوية بلا الحد الأدنى من الحماية، ثم تصبح استعادة معداتها جزءاً من مسار التأهيل؟ فغياب السور والحراسة ليس سبباً طبيعياً خارج السيطرة، بل ثغرة كان يفترض منعها قبل أن تتحول إلى خسائر متكررة وتعطيل للخدمة.
بئر بمبادرة الأهالي.. وماذا عن مسؤولية الدولة؟
أمام استمرار الحرمان، بدأت البلدية مبادرة شعبية لحفر بئر جديدة في الحي الشمالي، وناشد العبود المنظمات والجهات المعنية توفير منظومة طاقة شمسية لتشغيلها فور اكتمال الحفر.
تكشف هذه المبادرة حجم الفجوة بين احتياجات السكان وما هو متاح لهم من حلول؛ فبعد عقدين من انقطاع المياه عن حي يضم نحو ألف عائلة، بات الأهالي مدعوين إلى حفر بئر بأنفسهم، ثم انتظار جهة تتبنى تجهيزها. أما المسؤولية الحكومية عن التخطيط والاستثمار وتأمين الخدمات، فتظل غائبة عن المشهد بالقدر الذي يفسر استمرار الأزمة.
وفيما قد تخفف المشاريع المنفذة من معاناة بعض الأحياء، لا تزال كرناز أمام مشكلة أكبر من خط جديد أو محطة أعيد تأهيلها جزئياً. فالمياه لا تُقاس بعدد القساطل المركبة ولا باستطاعة الألواح الشمسية، بل بوصولها المنتظم إلى كل منزل. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى عودة الأهالي ناقصة، وسيظل السكان يدفعون كلفة سنوات من الإهمال عبر الانتظار أو شراء المياه من الصهاريج.
اقرأ ايضاً: أزمة المياه في دمشق تتفاقم.. تقنين التزويد يدفع السكان نحو الصهاريج