توصيل الطلبات في سوريا.. الدراجات النارية تتحول إلى مصدر رزق للشباب
تحوّلت الدراجات النارية والهوائية في سوريا إلى وسيلة لكسب الرزق بالنسبة إلى شريحة متزايدة من الشباب، مع توسّع خدمات توصيل الطعام والمشتريات والأغراض والوثائق. وبين مرونة ساعات العمل وإمكانية تحقيق دخل يومي، يجد كثيرون في مهنة التوصيل بديلاً عن الوظائف التقليدية ذات الرواتب المحدودة، رغم التكاليف التشغيلية ومخاطر القيادة والإرهاق.
وتتيح هذه المهنة للشباب دخول سوق العمل بإمكانات محدودة، إذ لا تتطلب في كثير من الحالات سوى دراجة وهاتف محمول والقدرة على الوصول إلى الزبائن. لكن الأرباح الفعلية تختلف بحسب عدد الطلبات والمسافات المقطوعة وساعات العمل، إضافة إلى نفقات الوقود والصيانة وإصلاح الأعطال.
توصيل الطلبات في سوريا.. فرصة عمل جديدة للشباب
بدأ محمد شغري، البالغ من العمر 22 عاماً، العمل في توصيل الطلبات بعدما كان يعمل في أحد المطاعم. وجاء قراره قبل أشهر، عقب ملاحظته ارتفاع الطلب على توصيل الطعام إلى المنازل، ما دفعه إلى اقتراح تولّي هذه المهمة على صاحب المطعم.
ونجحت الفكرة، لينتقل محمد من العمل داخل المطعم إلى قضاء معظم يومه على الدراجة النارية، متنقلاً بين المطعم ومنازل الزبائن.
ويقول محمد لـ«العربي الجديد» إن العمل الجديد أسعده لأنه أتاح له التواصل مع عدد أكبر من الناس، رغم اضطراره إلى القيادة لساعات طويلة وفي ظروف مختلفة. ولا ينكر الصعوبات المرتبطة بالازدحام ومخاطر الطريق، لكنه يرى أن المهنة تمنحه حرية أكبر في الحركة مقارنة بالعمل لساعات طويلة داخل المطعم.
وتعكس تجربته اتجاهاً لدى بعض الشباب السوريين نحو الأعمال التي توفر دخلاً مرتبطاً بحجم النشاط اليومي، بدلاً من الاعتماد على وظيفة ثابتة ذات راتب محدود.
خدمات التوصيل تتجاوز الطعام إلى المشتريات والأغراض
لم تعد خدمات التوصيل في سوريا مقتصرة على وجبات المطاعم، بل توسعت لتشمل نقل الوثائق والأغراض والمشتريات بين المنازل والمتاجر وأماكن العمل.
واختار عبد المنعم الآغا، المتحدر من اللاذقية، تقديم خدمات توصيل مستقلة بعدما لاحظ صعوبة تنقل بعض الأشخاص لإنجاز مشترياتهم أو إرسال أغراضهم. وبدأ بالتعريف بخدماته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل التفكير في تحويل نشاطه الفردي إلى مشروع تجاري أوسع.
ويقول الآغا لـ«العربي الجديد» إنه يسعى إلى تأسيس شركة للنقل وتشكيل فريق من العاملين ليكون حلقة وصل بين البائع والمستهلك.
وتكشف هذه التجربة عن اتساع سوق التوصيل في المدن السورية، مع ظهور فرص عمل لا تحتاج إلى رأس مال كبير، وتعتمد أساساً على وسيلة نقل مناسبة والتواصل مع الزبائن عبر الإنترنت.
الدراجة الهوائية أيضاً وسيلة لكسب الدخل
لا تقتصر مهنة التوصيل على أصحاب الدراجات النارية، إذ يلجأ بعض الشباب إلى الدراجات الهوائية لتأمين مصدر دخل، خصوصاً في ظل محدودية فرص العمل وانخفاض الأجور في بعض القطاعات.
ومن بين هؤلاء أغيد، البالغ من العمر 24 عاماً، والمنحدر من دمشق، الذي اختار العمل في توصيل الطلبات بدراجته الهوائية بعد بحث طويل عن فرصة عمل مناسبة.
ويقول أغيد لـ«العربي الجديد» إنه لم يجد في البداية سوى فرص بأجور منخفضة، قبل أن يتعرف إلى تجارب شباب يعملون في التوصيل ويقرر خوض التجربة بنفسه، مشيراً إلى أنه يمارس هذه المهنة منذ أشهر ويشعر بالرضا عنها.
وتبرز هذه التجارب أهمية خدمات التوصيل بوصفها خياراً متاحاً أمام الشباب الذين لا يمتلكون خبرة مهنية واسعة أو إمكانات مالية تسمح لهم ببدء مشاريع تقليدية.
تكاليف الوقود والصيانة تقلص أرباح سائقي التوصيل
رغم ما توفره مهنة توصيل الطلبات من مرونة وإمكانية تحقيق دخل يومي، فإن الإيرادات التي يحصل عليها السائق لا تعكس بالضرورة صافي الأرباح التي يحتفظ بها.
وتشمل التكاليف الوقود والزيوت والإطارات والصيانة الدورية وإصلاح الأعطال، فضلاً عن استهلاك الدراجة مع كثرة الاستخدام. وكلما زاد عدد الطلبات والمسافات المقطوعة، ارتفعت في المقابل نفقات التشغيل.
ويشير خالد أبو كف، العامل في هذا المجال، في حديثه إلى «العربي الجديد»، إلى أن تقييم دخل سائق التوصيل يجب ألا يقتصر على قيمة الطلبات المنجزة خلال اليوم، بل ينبغي أن يشمل جميع المصروفات المرتبطة بالعمل.
ويوضح أبو كف أنه انتقل إلى التوصيل بعدما أصبح راتبه السابق غير كافٍ لتغطية نفقاته، لكنه اكتشف أن زيادة الدخل اليومي ترتبط أيضاً بزيادة ساعات العمل وتحمل تكاليف تشغيل الدراجة وصيانتها.
وبذلك، تبقى الأرباح الفعلية متفاوتة بين السائقين، وفقاً لنوع الدراجة وكفاءتها، وطبيعة الطلبات، والمسافات التي يقطعونها، وعدد الساعات التي يخصصونها للعمل.
التوصيل وظيفة إضافية لزيادة دخل الأسرة
يختار بعض السوريين العمل في توصيل الطلبات إلى جانب وظائفهم الأساسية، إذ يخرجون إلى الشوارع بعد انتهاء الدوام أو خلال أيام العطل بهدف تحسين دخلهم ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتعد مرونة ساعات العمل من أبرز العوامل التي تجذب هذه الفئة، إذ يمكن للسائق تحديد الأوقات التي يستطيع العمل خلالها، من دون الالتزام بدوام ثانٍ ثابت.
لكن الجمع بين وظيفتين قد يفرض أعباء إضافية، إذ يؤدي تمديد ساعات العمل إلى تقليص الوقت المتاح للأسرة والراحة، فضلاً عن زيادة الإرهاق والتعرض لمخاطر الحوادث المرورية.
ويقول طارق حديد، البالغ من العمر 19 عاماً، إنه اختار العمل في التوصيل لأنه لا يمتلك خبرة مهنية أخرى سوى قيادة الدراجة.
ويضيف لـ«العربي الجديد» أن كثيراً من الشباب يتجهون إلى هذه المهنة مع زيادة الطلب على خدمات التوصيل، وسهولة البدء فيها، وإمكانية تحقيق مردود مادي أفضل من بعض الوظائف الأخرى، مشيراً إلى أنها لا تتطلب سوى وسيلة نقل وهاتف والقدرة على الوصول إلى الزبائن.
هل أصبحت الدراجات النارية بديلاً عن الوظائف التقليدية في سوريا؟
تعكس زيادة الاعتماد على خدمات التوصيل تغيرات في سوق العمل السوري، مع اتجاه بعض الشباب إلى العمل المستقل بدلاً من انتظار الحصول على وظيفة ثابتة، في ظل محدودية الفرص والأجور التي لا تلبي احتياجات كثير من العاملين.
كما أدى توسع الطلب على توصيل الطعام والمشتريات والأغراض إلى فتح مجالات جديدة أمام أصحاب الدراجات النارية والهوائية، سواء من خلال العمل مع المطاعم والمتاجر أو تقديم خدمات مستقلة مباشرة للزبائن.
ومع ذلك، لا يمكن تقييم هذه المهنة من خلال الإيرادات اليومية وحدها، إذ يتوقف العائد الفعلي على حجم الطلب، وتكاليف التشغيل، وساعات القيادة، والقدرة على الاستمرار في العمل من دون التعرض للإرهاق أو الحوادث.
وفي ظل استمرار توسع خدمات التوصيل، تبدو الدراجة بالنسبة إلى كثير من الشباب السوريين أكثر من مجرد وسيلة نقل؛ فهي أداة لتأمين الدخل وبديل عملي في سوق عمل يتسم بصعوبة الحصول على فرص مستقرة. غير أن هذه المرونة تضع على عاتق العامل نفسه جانباً كبيراً من تكاليف العمل ومخاطره، ما يجعل الاستفادة من هذه الفرصة مرتبطة بقدرته على تحقيق التوازن بين الدخل والنفقات والسلامة الشخصية.
إقرأ أيضاً: تطبيقات التوصيل في سوريا: هل سحبت البساط من التكسي الأصفر؟
إقرأ أيضاً: البطالة في سوريا تتسع.. وظائف قليلة وأجور لا تواكب كلفة المعيشة