مرضى السرطان في سوريا بلا جرعات مجانية منذ عام ونصف

يواجه آلاف المصابين بمرض السرطان في سوريا واقعاً معيشياً وصحياً غاية في القسوة بعد مرور عام ونصف على التحول السياسي الكبير في البلاد، حيث يترافق غياب العلاج المجاني مع تراجع واضح في دور المؤسسات الصحية الرسمية والأهلية، ما يضع المرضى أمام خيارين أحلاهما مر إما تحمل تكاليف علاج باهظة تفوق قدراتهم بكثير، وإما الاستسلام للمرض والتخلي عن العلاج تماماً.

سارة ورفاق الألم: رحلة البحث عن جرعة حياة بآلاف الدولارات

تختصر قصة سارة، المصابة بسرطان الثدي، معاناة آلاف المرضى في سوريا؛ فمن أصل 18 جرعة كيميائية خضعت لها حتى الآن، لم تحصل سوى على ثلاث جرعات مجانية فقط من «مشفى البيروني» الحكومي قبل تاريخ الثامن من كانون الأول 2024، بينما اضطرت بعد سقوط النظام السابق إلى شراء بقية الجرعات من الصيدليات الخاصة بأسعار تتراوح بين 300 و350 دولاراً أمريكياً للجرعة الواحدة، وهو مبلغ يعجز عن تأمينه الغالبية العظمى من المواطنين

فوضى الأرقام وغياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة

تؤكد الدراسات والأبحاث أن نسب الإصابة بالسرطان شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال سنوات الحرب الطويلة نتيجة التلوث البيئي المتعدد والضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية الهائلة، ومع ذلك لا تزال البلاد تفتقر إلى قاعدة بيانات إحصائية دقيقة توضح حجم الانتشار الجغرافي للمرض وتوزعه، حيث تبرز فوضى وتناقض واضح في الأرقام والتقديرات المتداولة:

مدير «مشفى البيروني» الحكومي تحدث مؤخراً عن تسجيل 12 ألف إصابة جديدة في البلاد خلال العام الماضي

رئيس «هيئة الإصابة بالسرطان» في وزارة الصحة كان قد صرح قبل نحو عام بتسجيل نحو 17 ألف حالة جديدة سنوياً، من بينها 1500 حالة بين الأطفال

«المرصد العالمي للسرطان» يقدر عدد الحالات الجديدة المسجلة في سوريا لعام 2022 بنحو 21,9 ألف إصابة، تتوزع بنسبة 46,4% بين الذكور و53,5% بين الإناث، مشيراً في آخر إحصاءاته إلى أن إجمالي الإصابات المسجلة خلال خمس سنوات تجاوز 45881 حالة

المستشفيات الحكومية: إهمال خدمي وأزمة تمويل خانقة

أدت الحرب بتبعاتها الثقيلة إلى إزاحة الأولويات الرسمية والأهلية من التوسع في تشييد مراكز الأورام ونشر حملات التوعية، إلى محاولة تأمين الحد الأدنى من العلاج والجرعات، ليتفاقم الوضع سوءاً بعد التحول السياسي أواخر عام 2024 دون أي تغيير ملموس في هذا الملف الإنساني

فرغم إعلان إدارة «مشفى البيروني» الحكومي في دمشق عبر صفحتها على فيسبوك عن وصول شحنات من أدوية العلاج الكيماوي والمناعي، إلا أن ردود المرضى وذويهم جاءت محملة بالشكاوى حول انقطاع الأدوية الفعلي منذ أكثر من عام، وتكرار تعطل الأجهزة الطبية، وسوء معاملة بعض الكوادر الطبية

وقد كشف مقطع فيديو صوره أحد المرضى مؤخراً عن تردي النظافة وانتشار القطط والأوساخ داخل الغرف المخصصة لإعطاء الجرعات الكيماوية، مما يسلط الضوء على حجم الإهمال والغياب شبه الكامل للاعتمادات المالية الكافية للمشفى الذي يكافح لخدمة آلاف المرضى المتزايدين سنوياً نتيجة الارتفاع العام في الإصابات وتدهور الوضع المعيشي لنحو 90% من الأسر السورية، حيث تشير نتائج مسح الأمن الغذائي للعام الماضي إلى أن 1.2% من العائلات السورية لديها فرد واحد أو أكثر يعاني من السرطان، وهو ما يعادل نحو 60 ألف أسرة تواجه صعوبات بالغة ومعاناة حقيقية في تدبير نفقات العلاج المرتفعة

انهيار مسارات الدعم الحكومي والأهلي

تاريخياً، اعتمدت السياسات الصحية للحكومات المتعاقبة على مسارين رئيسيين لمكافحة الأورام وتوفير العلاج المجاني:

المسار الحكومي: تمثل في السعي لزيادة المستشفيات والمراكز المتخصصة جغرافياً، وهو ما قوضته الحرب بعد تضرر وتدمير ونهب العديد من المراكز، ورغم تخصيص مبالغ مالية ضخمة لاستيراد الأدوية السرطانية وتوفيرها مجاناً قبل عام 2024 تخللتها بعض ملفات الفساد والمحسوبية، فإن مقارنة جلسات العلاج الكيماوي تظهر تراجعاً لافتاً، حيث سجل عام 2011 نحو 140 ألف جلسة مقابل 122 ألف جلسة في عام 2022، وهو فارق مضلل عند عزله عن زيادة الإصابات واتساع رقعة العائلات العاجزة عن الدفع

المسار الأهلي: تمثل في جهود المجتمع المدني والجمعيات الأهلية التي نشطت بوضوح في تقديم العلاج المجاني للأطفال ونشر الوعي وتشجيع الكشف المبكر، والتي حظيت بدعم خاص في عهد النظام السابق، إلا أن مصيرها اليوم بات غامضاً بعد سقوط النظام حيث تراجع زخمها التمويلي والتبرعات بشكل كبير وتغيرت إداراتها كحال معظم مفاصل العمل العام والأهلي والخاص في البلاد

مقترحات إنقاذية ومخاوف من عودة مافيا الأدوية المزورة

نظراً لعدم وجود مؤشرات قريبة لعودة الجرعات المجانية بشكل كامل، قدم أهالي المرضى مقترحاً لوزير التعليم العالي في الحكومة الانتقالية خلال زيارته لمشفى البيروني العام الماضي، يطالبون فيه بأن تتولى وزارة الصحة على الأقل توفير هذه الأدوية والجرعات في الصيدليات بأسعار مقبولة ومراقبة رسمياً، لمنع استغلال تجار السوق السوداء وضمان عدم دخول أدوية مزيفة ومجهولة المصدر إلى الأسواق

وتأتي هذه المطالب الملحة على خلفية الفاجعة الكبرى التي هزت مدينة حلب قبل نحو عامين، عندما تم ضبط شبكة مكونة من عشرة أشخاص يقومون بتعبئة عبوات فارغة بمحلول ملحي وحبوب “فوليك أسيد” وتغليفها بلصقات أجنبية مزورة لبيعها كعلاجات سرطانية مستوردة وبأسعار باهظة، مما تسبب بوفاة عشرات المرضى على مدار سنوات؛ وتتضاعف المخاوف اليوم مع ورود معلومات تفيد بخروج أفراد هذه الشبكة من السجن عقب سقوط النظام السابق، دون معرفة ما إذا كانت السلطات الجديدة قد أعادت القبض عليهم أم أنهم ما زالوا طلقاء ويمارسون نشاطهم المميت بحق المرضى دون رقيب.

 

اقرأ أيضاً:مشفى البيروني يستأنف استقبال مرضى السرطان من السويداء بعد انقطاع 6 أشهر

اقرأ أيضاً:مأساة الشمال السوري: السرطان يفتك بسكان رأس العين وتل أبيض وسط غياب قاتل للعلاج

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.