سوريا الجديدة على مفترق طرق: 3 اختبارات مصيرية تحدد مستقبل بناء الدولة ومؤسساتها
تقف سوريا اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية جديدة عنوانها الأبرز: بناء الدولة، تشييد المؤسسات الفاعلة، وترميم الثقة بين المواطن والنظام السياسي الجديد. ولم يعد خافياً أن مواجهة إرث سنوات الصراع الطويلة ومظاهر العنف لا يمكن أن تستند إلى أدوات القوة العسكرية والأمنية وحدها، بل تتطلب بالدرجة الأولى دولة حوكمة قوية بركائزها، راسخة بسيادة القانون، وقادرة على صياغة عقد اجتماعي يعكس مبادئ المواطنة والعدالة.
في هذا التقرير، نستعرض رؤية باحثين ومحللين سوريين حول خريطة طريق الإصلاح، وأبرز التحديات التي تواجه الساحة السورية في المرحلة الانتقالية الحالية.
الاختبارات الثلاثة: الأمن، الاقتصاد، والإدارة
يلفت الباحث السوري المتخصص في قضايا الحوكمة، زيدون الزعبي، في تصريحاته لـ منصة ”963+”، إلى أن النجاح في العبور بسوريا نحو البر الآمن يرتبط بثلاثة اختبارات أساسية ومعقدة:
-
اختبار الأمن: رصد مؤشرات إيجابية على الأرض؛ فرغم انتشار السلاح نسبيًا والحوادث المتفرقة، إلا أن معدل الجريمة لا يزال ضمن الحدود المقبولة.
-
اختبار الاقتصاد: مواجهة الضائقة المعيشية الهائلة وغياب رؤية واضحة لإعادة الإعمار حتى الآن.
-
اختبار الإدارة: البناء المؤسسي في وزارة الداخلية يمضي بخطى صحيحة نحو تأسيس مؤسسة شاملة وغير إقصائية، تعتمد على التنوع وتدريس مواد حقوق الإنسان في مناهجها الشرطية (مثل نموذج مدرسة الشرطة النسائية).
العقد الاجتماعي ومعالجة الانقسام المجتمعي
من جانبه، يؤكد الباحث السوري أيمن الدسوقي على الحاجة الملحة لتفعيل مفهوم “الدولة الوطنية”، معتبراً أن الانقسام المجتمعي وفجوة الثقة يمثلان التحدي الأبرز، مما يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية.
ويرى الدسوقي أن محاصرة العنف تتلخص في مبدأين: الثقة والحوكمة، مشدداً على أن البداية يجب أن تكون عبر إطلاق حوار وطني صريح يجمع مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية لرسم خارطة طريق موحدة للإصلاح.
إرث الفساد والترهل الإداري: خطة السنوات الخمس
وفي سياق متصل، يشير الكاتب السوري زياد الريس إلى أن عملية إعادة هيكلة مؤسسات الدولة تسير بوتيرة بطيئة لكنها جوهرية.
ملامح خطة الهيكلة الإدارية:
-
تحدي العمالة الفائضة: واجهت الحكومة الجديدة إرث التعيينات العشوائية غير المؤهلة التي تمت في عهد النظام السابق دون مهام فعلية.
-
التدريب بدل الإقصاء: لم تتجه السلطات إلى فصل الموظفين بشكل جماعي، بل اعتمدت سياسة إعادة التدريب وضخ دماء وكوادر جديدة بناءً على الكفاءة بعيداً عن الخلفيات الأمنية.
-
المدى الزمني: يرى الريس أن هذه الخطة بحاجة إلى نحو 5 سنوات لإتمامها، علماً أنه لم يمضِ على انطلاقها سوى 6 أشهر فقط.
-
السلم الأهلي: تأسيس مجالس للسلم الأهلي في مختلف المدن لحل النزاعات المجتمعية وخاصة المتعلقة بالملكيات العقارية.
المرتكزات الثلاثة لهشاشة الاستقرار والعدالة الانتقالية
في المقابل، تقدم الكاتبة السورية نهى سلوم قراءة أكثر حذراً للمشهد، معتبرة أن مسار تعزيز الدولة يقوم على ثلاثة مرتكزات: (إعادة بناء المؤسسات، ترميم العلاقة مع المجتمع، وتثبيت مرجعية قانونية واحدة).
وتطرح سلوم عدة ملفات ساخنة تؤثر في عمق الاستقرار الراهن:
-
الملف الأمني والانتهاكات: استشهاداً بالتوترات المستمرة في الساحل السوري ومحافظة السويداء، بالإضافة إلى التفجير الأخير المحيط بالقصر العدلي في دمشق، مما يثير مخاوف المواطنين من الخروقات الأمنية.
-
العدالة الانتقالية المجتزأة: لا يزال ملف العدالة الانتقالية (كشف الحقيقة، المحاسبة، وجبر الضرر) معلقاً وغير مكتمل، مما يولد شعوراً بأن آثار الماضي لم تُطو بعد.
-
الربط بين الأمن والمعيشة: تؤكد سلوم أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي؛ فالاستقرار الأمني لا ينفصل عن الاستقرار المعيشي والاقتصادي، وتكامل القضاء المستقل مع السياسات التنموية هو السبيل الوحيد للحد من إعادة إنتاج العنف.
إقرأ أيضاً: رئيس مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. من هو عبد الحميد العواك؟
إقرأ أيضاً: كيف يعيش أبناء الطائفة العلوية في سوريا الجديدة بعد سقوط النظام؟