عودة صوامع نوى لا تنهي معاناة القمح في درعا… أعطال متكررة وطوابير انتظار تربك موسم الحصاد
عادت صوامع الحبوب في مدينة نوى بريف درعا إلى العمل بعد توقف دام ثلاثة عشر عاماً، لتستقبل محصول القمح مجدداً وتعيد جزءاً من الحياة إلى أحد أهم المراكز التخزينية في الجنوب السوري. غير أن هذه العودة، التي كان يُفترض أن تخفف أعباء الموسم الزراعي، اصطدمت بواقع تشغيلي هش، حيث ما تزال الأعطال الفنية، والانقطاعات الكهربائية، وبطء إجراءات التسليم، تلقي بثقلها على المزارعين، وتحول دون الاستفادة الكاملة من المشروع.
وبينما تؤكد المؤسسة السورية للحبوب أن أعمال التأهيل أعادت الصوامع إلى كامل طاقتها التخزينية، يرى المزارعون أن العقبة لم تعد في المبنى، بل في منظومة التشغيل التي ما تزال عاجزة عن مواكبة ضغط موسم لا يتجاوز بضعة أسابيع.
الصوامع عادت… لكن الأزمة بقيت
أسهم تشغيل صوامع نوى في تخفيف الضغط عن صوامع إزرع وتقليص مسافات نقل المحاصيل بالنسبة لمزارعي الريف الغربي والقنيطرة، إلا أن ذلك لم ينعكس بصورة مباشرة على انسيابية عمليات التسليم.
ويقول المزارع فيصل أبو خروب إن الأعطال المتكررة وانقطاع الكهرباء قلّصا الفائدة المرجوة من إعادة تشغيل الصوامع، موضحاً أن القدرة التشغيلية الحالية لا تستوعب الكميات الكبيرة التي تتدفق خلال موسم الحصاد القصير، خاصة مع استقبال محصول القنيطرة أيضاً.
وأضاف أن حصوله على موعد عبر المنصة الإلكترونية استغرق نحو 25 يوماً، في وقت لا تتجاوز فيه عملية التفريغ يوماً واحداً عندما تكون الصوامع في حالة تشغيل مستقرة، مشيراً إلى أن كثيراً من المزارعين يضطرون إلى حصاد القمح قبل اكتمال نضجه خشية ضياع دورهم، رغم أن تأخير الحصاد أياماً إضافية ينعكس إيجاباً على جودة التخزين.
كما لفت إلى أن الخوف من الحرائق دفع عدداً من المزارعين إلى حراثة أراضيهم قبل انتهاء الموسم، في ظل استمرار المخاطر التي تهدد المحصول.
منصة إلكترونية… وانتظار يمتد لأسابيع
لم يكن الحجز الإلكتروني، بحسب عدد من المزارعين، حلاً حقيقياً للازدحام، بل تحول إلى محطة جديدة من الانتظار.
ويقول المزارع مالك المفعلاني إنه بقي أكثر من 35 يوماً بانتظار موعد التسليم دون معرفة موعد واضح، مضيفاً أن بعض المزارعين لجؤوا إلى تسجيل محاصيلهم بأسماء آخرين يملكون كميات قليلة لتجاوز بطء المنصة.
وأشار إلى أن تعطل بعض الصوامع في مركز نوى لأكثر من أسبوعين أدى إلى تعطيل أعمال الحصاد، موضحاً أنه لم يتمكن من حصاد سوى 125 دونماً من أصل 300 دونم يزرعها.
ويضيف أن غياب مستودعات مناسبة أجبره على تخزين محصوله فوق شوادر داخل الأرض والمنزل، بينما تكبد نفقات إضافية نتيجة انتظار الشاحنات لساعات طويلة، فضلاً عن أجور النقل والحصاد وارتفاع تكاليف الإنتاج التي لم يعد السعر الحكومي يعوضها.
أعطال قديمة… وموسم لا ينتظر
من جهته، أوضح رئيس مركز نوى للحبوب أحمد العودات أن معظم الأعطال تعود إلى الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، إضافة إلى تقادم المحركات والسيور الناقلة، فضلاً عن دخول قطع معدنية مع الأقماح أثناء عمليات التفريغ، ما يؤدي إلى توقف العمل بشكل متكرر.
وبيّن أن المركز لا يمتلك مولدات كهربائية قادرة على تشغيل الصوامع بصورة مستقلة، ما يجعل استمرار العمل مرتبطاً باستقرار التغذية الكهربائية، مشيراً إلى وجود تنسيق مع شركة الكهرباء لتغذية المركز عبر الخط الذهبي.
وأضاف أن ساعات العمل جرى تمديدها لاستيعاب ضغط الموسم، إذ تبلغ الطاقة اليومية للمركز نحو 800 طن، بينما تتراوح كميات الاستلام الفعلية بين 500 و600 طن يومياً، في حين قد يمتد انتظار بعض المزارعين من أسبوع إلى شهر بحسب ضغط التوريد.
وأكد العودات أن أعمال التأهيل شملت المحركات والمخبر والقبان والمسبار والمبنى الإداري، ما أتاح إعادة تشغيل الصوامع بطاقتها التخزينية الكاملة، إلا أن انخفاض المساحات المزروعة بالقمح هذا العام جعل كميات الاستلام أقل من مواسم سابقة.
المؤسسة: نسعى لاستلام 100 ألف طن
بدوره، قال مدير فرع المؤسسة السورية للحبوب في درعا، المهندس يحيى برماوي، إن المؤسسة استلمت حتى الآن نحو 72 ألف طن من القمح، ضمن خطة تستهدف شراء 100 ألف طن وفق تقديرات مديرية الزراعة.
وأوضح أن عمليات الاستلام تتم عبر أربعة مراكز رئيسية في المحافظة، مع توزيع أنواع الاستلام بين الأقماح السائبة والمعبأة، مؤكداً أن احتساب قيم المحاصيل يتم إلكترونياً، بينما يجري تجهيز القوائم المالية تمهيداً لإرسالها إلى المصرف الزراعي لصرف مستحقات المزارعين.
وأشار إلى أن الفرق الفنية تعمل على معالجة الأعطال بشكل مستمر، معتبراً أن منصة الحجز الإلكتروني جاءت لتنظيم الأدوار والحد من الفوضى التي كانت ترافق مواسم الاستلام السابقة.
عودة ناقصة في موسم حرج
تمثل إعادة تشغيل صوامع نوى خطوة مهمة على مستوى البنية التخزينية في محافظة درعا، لكنها لم تنهِ التعقيدات التي تحاصر موسم القمح. فبين بطء المنصة الإلكترونية، والأعطال الفنية، والانقطاعات الكهربائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، يجد المزارع نفسه أمام موسم يستنزف وقته وجهده قبل أن يصل محصوله إلى الصومعة.
وفي ظل استمرار هذه التحديات، تبدو إعادة التأهيل وحدها غير كافية، ما لم تترافق مع تحسين كفاءة التشغيل، وتسريع إجراءات التسليم، وتوفير بنية خدمية قادرة على مواكبة موسم يمثل بالنسبة للمزارعين حصاد عام كامل من العمل.
اقرأ أيضاً: حرائق الحصاد تلتهم سهل الغاب.. موسم القمح يتحول إلى خسائر في سهل أنهكته الأزمات