استثمارات غذائية جديدة في سوريا… هل تنجح الشراكات الخارجية في إنقاذ صناعة أنهكتها سنوات التراجع؟

تتجه الحكومة السورية الانتقالية إلى توسيع حضور الاستثمارات العربية في قطاع الصناعات الغذائية، في محاولة لإحياء أحد أكثر القطاعات الإنتاجية تضرراً خلال السنوات الماضية. وبينما تبدو الاتفاقيات الجديدة مؤشراً على اهتمام متزايد بالسوق السورية، تبقى الأسئلة معلقة حول قدرتها على معالجة الاختلالات العميقة التي يعانيها القطاع، أم أنها ستبقى رهينة الوعود والاستثمارات المحدودة.

رهان على الشراكات لإحياء الصناعة

وقّعت هيئة الاستثمار السورية والصندوق السيادي السوري مذكرة تفاهم مع مجموعة “المهيدب” السعودية لدراسة مشاريع في تربية الأبقار وإنتاج الألبان والأجبان، بالتعاون مع شركة أوروبية متخصصة، في خطوة تستهدف نقل التقنيات الحديثة وتطوير سلاسل الإنتاج الغذائي.

وتؤكد الجهات الرسمية أن المشروع لا يقتصر على الإنتاج، بل يشمل تدريب المزارعين، وتحديث وسائل العمل، وإعادة تشغيل اثنين من أكبر معامل الحليب المتوقفة منذ سنوات، إلى جانب توفير فرص عمل جديدة في القطاعات الزراعية والصناعية المرتبطة به.

قطاع يحتاج إلى أكثر من اتفاقيات

يرى أمين جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن الصناعات الغذائية تعرضت خلال السنوات الماضية لتراجع حاد في الإنتاج، مع خروج عدد كبير من المنشآت عن الخدمة، ما جعل أي استثمار جديد محل ترحيب، شرط أن يركز على إعادة تأهيل المصانع السورية وتعزيز المنتج المحلي، لا أن يتحول إلى منفذ لتوسيع حضور المنتجات الأجنبية داخل السوق.

ويشير إلى أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكات لن تُقاس بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بقدرتها على إعادة دوران عجلة الإنتاج، ونقل المعرفة، وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي.

أرقام تكشف حجم الأزمة

وفق بيانات وزارة الاقتصاد والصناعة، تضم سوريا أكثر من 19 ألف منشأة غذائية، بينها نحو 5165 منشأة متوقفة عن العمل، بينما لم يتجاوز عدد المشاريع الغذائية المنفذة وفق قانون الاستثمار خلال عام 2025 مشروعاً واحداً فقط، وهو رقم يعكس الفجوة الكبيرة بين التراخيص الممنوحة والاستثمارات التي وصلت فعلياً إلى مرحلة التنفيذ.

كما تشير البيانات إلى استمرار تعثر آلاف المنشآت الحرفية والصناعية، في وقت لا تزال فيه تحديات التمويل، والطاقة، والبنية التحتية، تعيق تعافي القطاع.

فرصة مشروطة بالإصلاح

وتزامناً مع الاتفاق السعودي، كانت شركة “بلدنا” القطرية قد أعلنت سابقاً نيتها تنفيذ مشروع لإنتاج الحليب ومشتقاته والعصائر باستثمار يقدر بـ250 مليون دولار، في مؤشر على تنامي الاهتمام الخليجي بقطاع الصناعات الغذائية السوري.

لكن مراقبين يرون أن نجاح هذه الاستثمارات يبقى مرتبطاً بتهيئة بيئة إنتاج مستقرة، وتوفير تشريعات واضحة، وضمان تنفيذ الاتفاقيات على الأرض، لا الاكتفاء بالإعلانات ومذكرات التفاهم.

فالصناعة الغذائية السورية تمتلك مقومات النهوض، لكنها ما تزال تواجه إرثاً ثقيلاً من التراجع، يجعل استعادة دورها الاقتصادي مرهونة بإصلاحات أوسع من مجرد جذب رؤوس الأموال، لتتحول الاستثمارات من عناوين واعدة إلى مشاريع قادرة على إعادة الحياة إلى المصانع والإنتاج المحلي.

 

اقرأ أيضاً: أزمة إنسانية متفاقمة: %80 من الأسر السورية تعجز عن تأمين الغذاء

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.