أسعار الفروج تحلق في سوريا.. تكاليف الإنتاج والقرارات المفاجئة تضرب قطاع الدواجن

يشهد سوق الدواجن في سوريا موجة جديدة من ارتفاع الأسعار بعد أشهر من التذبذب والاستقرار النسبي، في تطور أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذه القفزات المتكررة، وما إذا كانت تعكس أزمة عابرة مرتبطة بتراجع المعروض أم أنها نتيجة تراكمات أعمق يعيشها أحد أهم القطاعات الغذائية في البلاد

وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه المستهلك السوري تراجعاً مستمراً في قدرته الشرائية، مما يجعل أي زيادة في أسعار الفروج تنعكس مباشرة على الإنفاق الأسري باعتباره المصدر الأكثر انتشاراً للبروتين الحيواني مقارنة باللحوم الحمراء

فجوة في المعروض تلهب الأسواق والمطاعم

أظهرت جولات ميدانية في الأسواق المحلية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الفروج الريش ومختلف منتجات الدواجن، الأمر الذي انعكس سريعاً على أسعار الوجبات الغذائية والمطاعم التي تعتمد بصورة أساسية على لحوم الدجاج، وسط حالة من القلق لدى المستهلكين من استمرار موجة الارتفاع خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تراجع البدائل الغذائية الأقل تكلفة

ويرى مختصون في القطاع أن الزيادة الحالية لا ترتبط بعامل واحد، وإنما هي نتيجة تداخل عدة أسباب في مقدمتها انخفاض حجم الإنتاج المحلي خلال الأسابيع الماضية، بعد خروج عدد من المربين من دورات التربية نتيجة الخسائر التي تكبدوها خلال الأشهر السابقة، عندما تراجعت الأسعار إلى مستويات لم تغطِّ تكاليف الإنتاج، مما دفع العديد منهم إلى تعليق نشاطهم أو تقليصه بانتظار تحسن ظروف السوق، كما أن انخفاض أعداد المربين الذين دخلوا دورات إنتاج جديدة انعكس لاحقاً على حجم المعروض وهو ما بدأت الأسواق تلمس آثاره مع انتهاء الدورات السابقة

معضلة التكاليف وتأثيرات قرارات الاستيراد

وفي سياق متصل قال نزار سعد الدين وهو مدير في قطاع الدواجن، إن الارتفاع الأخير في أسعار الفروج يرتبط بصورة أساسية بانخفاض الإنتاج نتيجة خروج عدد من المربين من دورات التربية بعد تعرضهم لخسائر مالية متراكمة، مؤكداً أن استقرار السوق لن يتحقق إلا من خلال خفض تكلفة الإنتاج ولا سيما أسعار الأعلاف والطاقة والأدوية البيطرية، إضافة إلى توفير التمويل اللازم للمربين، باعتبار أن زيادة الإنتاج المحلي تمثل الحل الأكثر استدامة لتحقيق التوازن بين مصلحة المنتج وضمان أسعار مناسبة للمستهلك

وأشار إلى أن التحسن الذي شهده سعر صرف الليرة خلال فترات سابقة لم ينعكس على أسعار الأعلاف بسبب استمرار ارتفاع أسعار المواد الأولية عالمياً، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن موجات الحر التي شهدتها البلاد مؤخراً لم يكن لها تأثير ملموس على نسب النفوق أو حجم الإنتاج خلافاً لما يتردد أحياناً في الأسواق

وتتفق مصادر في اتحاد غرف الزراعة السورية مع هذا التقييم، معتبرة أن تراجع المعروض هو العامل الأكثر تأثيراً في الارتفاع الحالي، إذ أدى السماح باستيراد الفروج خلال الفترة الماضية إلى إحجام عدد من المربين عن بدء دورات إنتاج جديدة، خشية المنافسة مع المنتج المستورد في ظل ارتفاع تكاليف التربية محلياً، الأمر الذي خلق فجوة في الإمدادات بعد انتهاء الكميات المنتجة سابقاً، ومع قرار وقف استيراد الفروج الريش وصيصان التربية، برزت مخاوف من أن يحتاج السوق إلى بعض الوقت لاستعادة توازنه ريثما تعود دورات الإنتاج المحلية إلى مستوياتها الطبيعية

حلول مطلوبة لاستقرار السوق

يجمع مربو الدواجن على أن المشكلة الجوهرية لا تزال تكمن في ارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ تشكل الأعلاف النسبة الأكبر من تكلفة تربية الفروج، إلى جانب الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية البيطرية واللقاحات ومستلزمات التدفئة والطاقة والنقل، فضلاً عن صعوبة الحصول على التمويل اللازم لتغطية تكاليف الدورة الإنتاجية، كما أن معظم مستلزمات التربية يتم استيرادها وتسعيرها بالدولار في حين يباع المنتج النهائي بالليرة السورية، مما يجعل المنتجين عرضة لتقلبات سعر الصرف ويؤدي إلى تآكل هوامش الربح بل وتحول بعضها إلى خسائر مباشرة

ويرى اقتصاديون أن قطاع الدواجن في سوريا بات بحاجة إلى سياسات أكثر استقراراً، تقوم على توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار تنافسية، وتأمين التمويل منخفض التكلفة، وتبني آليات واضحة لتنظيم الاستيراد بما يحمي المنتج المحلي دون الإضرار بالمستهلك، فالتغيرات المفاجئة في سياسات الاستيراد أو في تكاليف الإنتاج تنعكس سريعاً على حجم المعروض والأسعار، وهو ما يجعل السوق يعيش دورات متكررة من الانخفاض الحاد يعقبها ارتفاع كبير

وفي المحصلة، تبدو موجة ارتفاع أسعار الفروج الحالية انعكاساً لاختلالات هيكلية يعاني منها قطاع الدواجن أكثر من كونها أزمة ظرفية، فبين انخفاض الإنتاج المحلي، وارتفاع تكاليف التربية، وتذبذب سياسات الاستيراد، يظل تحقيق التوازن بين حماية المنتج الوطني وتأمين غذاء بأسعار مقبولة للمستهلك تحدياً رئيسياً أمام الجهات المعنية، خصوصاً أن استقرار هذا القطاع لا يرتبط فقط بأسعار سلعة غذائية بل بأحد أهم مصادر الأمن الغذائي في سوريا.

 

اقرأ أيضاً:تقرير حقوقي: سياسات الحكومة السورية الانتقالية تهدد الأمن الغذائي وتعمّق الفقر مع رفع أسعار الخبز والطاقة

اقرأ أيضاً:تكلفة المعيشة في سوريا 2026: 7.7 ملايين ليرة حدّ البقاء و11 مليوناً للعيش بكرامة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.