من 100 كيلو إلى 10.. كيف حوّل الغلاء “المكدوس” السوري من طقس عائلي إلى حيل اقتصادية؟
تستمر الظروف المعيشية والاقتصادية الضاغطة في فرض أنماط استهلاكية جديدة على الشارع السوري، ممتدة إلى المكونات والوصفات التقليدية لأبرز الوجبات الشتوية، وفي مقدمتها “المكدوس”.
ومع ارتفاع تكاليف تحضيره بشكل غير مسبوق، اتجهت العديد من العائلات إلى الابتكار والتحايل على الوصفة المعتادة، لخفض النفقات والحفاظ على حضور هذه المادة الأساسية على موائدهم.
غياب “لمّة العائلة”.. المؤونة من طقس اجتماعي إلى عمل فردي
لم تقف التغييرات عند حدود المكونات والأسعار فقط، بل امتدت لتطال الجانب الاجتماعي الذي كان يرافق إعداد “المكدوس” كطقس سنوي يجمع أفراد العائلة.
وفي هذا السياق، تقول “ياسمين صالح” إن صناعة المكدوس كانت تشكل مناسبة عائلية تجمع الأمهات والفتيات، قبل أن تتغير الظروف ويتحول تحضير المؤونة في كثير من البيوت إلى عمل فردي، أو الاعتماد على شرائه جاهزاً من الأسواق.
واستعادت “ياسمين” تلك الأجواء بالقول: «كنا بالأول نجتمع أنا وإمي وإختي، بس بهالوقت راحت العاطفة والحنية، صار كل مين يشتغلا لحالو ببيتو».
من جانبها، تؤكد “سلمى ياسين” أن غياب اللقاءات العائلية لا يقتصر على صناعة المكدوس وحدها، بل ينسحب على الحياة اليومية للأسرة السورية التيات تفتقد تجمع أفرادها ومشاعر الأيام الماضية في ظل غياب بعض أعضائها جراء الظروف القاسية التي مرت بها البلاد.
من 100 كيلو إلى 10.. تقليص حاد في الكميات
أمام الارتفاع الكبير في أسعار الباذنجان والجوز والزيت، وجدت العائلات نفسها مجبرة على تقليص الكميات المصنوعة للحد الأدنى.
وتشير “نبيلة الصالح” إلى هذا التحول في حجم المؤونة بالقول: «الناس يلي كانت تعمل 100 كيلو صارت تختصرها وتعمل 10 كيلو، المهم ما تشتهي».
حيل بديلة وخيارات متناقضة: “المكدوس الكاذب” أم الاستغناء؟
تفاوتت أساليب المواطنين في التعامل مع الغلاء؛ إذ لجأ البعض إلى تعديل المكونات واستبدالها بمواد أقل كلفة لإنتاج ما يُعرف بـ “المكدوس الكاذب”.
ويوضح “حاتم قصيباتي” أن بعض العائلات اتجهت لاستخدام حشوات بديلة مثل “الفستق العبيد” (الفول السوداني) أو أنواع أقل جودة وسعراً من الجوز، إلى جانب المزج بين الزيت النباتي وزيت الزيتون.
في مقابل ذلك، ترفض أسر أخرى التنازل عن الوصفة الأصلية، حيث تؤكد “نعمة هنادي” أنها تفضل خفض الكمية بدلاً من تغيير المكونات، قائلة: «ما بعمل أي خلات تانية، لكن ممكن أقلل الكمية لأبقى محافظة على طعمة المكدوس الأصلية».
أما “سلمى”، فتفضل خيار الاستغناء الكامل عن المؤونة إذا لم تتوفر إمكانية صنعها وفق الطريقة والظروف التي اعتادت عليها.
الفارق في التكلفة وأثر وجود الأطفال
تلعب العوامل المالية دوراً حاسماً في تحديد خيارات العائلات، حيث ينعكس نوع المكونات بشكل مباشر على الميزانية.
وبيّن “محمد سلتوت” أن الفارق في التكلفة بين المكدوس التقليدي و”المكدوس الكاذب” قد يصل إلى النصف، نتيجة استبدال الحشوة وبعض المكونات بخيارات أرخص.
من جهتها، تنبه “باسمة السحار” إلى الفجوة السعرية الواسعة بين الجوز والفستق العبيد، لافتة إلى أن بعض البيوت أصبحت تكتفي بإعداد المكدوس المحشو بالفليفلة فقط لتخفيض المصاريف.
وأضافت “باسمة” أن وجود الأطفال في المنزل يجعل الاستغناء عن هذه المؤونة خياراً صعباً، مؤكدة أن الأسر التي لديها أطفال لا يمكنها التخلي عن إعداد المكدوس.
بديل اضطراري أم تفريغ للنكهة؟
تتعدد الآراء حول مدى جدوى البدائل الاقتصادية؛ بين من يعتبرها وسيلة للتكيف مع الواقع المعيشي، ومن يراها تفريغاً للوجبة من طعمها الأصيل.
ويرى “قصيباتي” أن اللجوء إلى “المكدوس الكاذب” هو محاولة لإقناع النفس بأن المنتج البديل هو المكدوس الحقيقي رغم الاختلاف البين في الطعم والمكونات.
بينما يعتبر “سلتوت” أن هذه الحلول مرتبطة بالضغط الاقتصادي القاهر، في حين تجدد “نعمة” تأكيدها أن المكدوس المصنوع بمكونات بديلة يفقد الطعم والنكهة اللذين ارتبطت بهما ذاكرة البيوت السورية.
تؤكد تحولات المؤونة هذا العام أن “المكدوس” لم يعد مجرد وجبة شتوية، بل بات مرآة تعكس أثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا؛ فبين تقليص الكميات واستبدال المكونات وتراجع الجمعات العائلية، يحافظ المكدوس على حضوره على الموائد، ولكن بطعم ورواية جديدين.
اقرأ أيضاً:المونة في البرطمان .. كيف تحافظ على الغذاء من التلف؟
اقرأ أيضاً:موسم المونة في سوريا: إرث اجتماعي متوارث يتحدى الضغوط الاقتصادية وتبدلات الزمن