الصيد الجائر يستنزف أسماك الفرات في الرقة.. رقابة غائبة ونهر يفقد ثروته

لم يعد الصيد في نهر الفرات بمحافظة الرقة يضمن للصيادين قوت يومهم، بعدما تحولت رحلات كانت تدرّ عشرات الكيلوغرامات من الأسماك إلى ساعات طويلة تنتهي بصيد شحيح أو بلا حصيلة. وراء هذا التراجع ممارسات مدمرة، أبرزها الصيد بالكهرباء والسموم والمتفجرات، في ظل رقابة عاجزة عن وقف استنزاف الثروة السمكية أو حماية مصدر رزق يعتمد عليه سكان المنطقة.

يقول الصياد خالد العكوش، إنه كان يصطاد يومياً ويبيع ما يجمعه لإعالة أسرته، وقد تصل حصيلة الرحلة الواحدة إلى نحو 20 كيلوغراماً، لكن قلة الأسماك قلّصت هذا المورد بصورة كبيرة. ولم تعد المشكلة مرتبطة بمهارة الصياد أو طول انتظاره، بل بتراجع المخزون السمكي نفسه.

الصيد بالكهرباء والسموم يدمّر المخزون

تتخذ ممارسات الصيد غير القانوني أشكالاً أشد خطورة من الصيد التقليدي بالشباك والصنارة. فبحسب العكوش، تستخدم قوارب مزودة بمولدات كهربائية لتمرير التيار في المياه ليلاً، ما يصعق الأسماك ويدفعها إلى السطح، من دون تمييز بين الأحجام أو الأنواع.

وتجاوزت الأضرار حدود تراجع الصيد اليومي، إذ أظهرت مقاطع مصورة متداولة نفوق أعداد من الأسماك قرب جسر الرقة القديم، وسط مخاوف من استخدام مواد سامة. ورجّح الصياد حسن الأحمد أن يكون النفوق مرتبطاً بمواد كيميائية تُستخدم في الصيد، لكنه لم يجزم بسبب الظاهرة، ما يترك الحاجة إلى تحقيق فني يحدد ملابساتها وآثارها البيئية.

ويحذر المختص في تربية الحيوان عبد الرحمن الحمود، الذي يمتلك خبرة تمتد لأكثر من 30 عاماً في تربية الأسماك، من أن التيار الكهربائي المتناوب قد يتسبب بكسور ونزف وأضرار في الأعضاء التناسلية للأسماك. كما تتضرر الأسماك الصغيرة التي تنجو من الصعق، فتفقد توازنها وتصبح أكثر عرضة للافتراس، بما يهدد قدرة المخزون على التجدد.

رقابة غائبة وخسائر تتجاوز الصيادين

يربط صيادون انتشار هذه الممارسات بضعف تطبيق القوانين خلال سنوات الحرب، مشيرين إلى استخدام المتفجرات والمواد السامة ومخلّفات حربية في عمليات الصيد. وفي ظل غياب رقابة فعالة، يدفع الصيادون الملتزمون بالوسائل التقليدية الثمن، بعدما باتوا ينافسون ممارسات تستنزف النهر بدلاً من الحفاظ على موارده.

ويظهر التراجع أيضاً في ندرة أنواع محلية، بينها سمكة “الفرخ” التي قد يصل وزنها إلى 200 كيلوغرام، وفق الأحمد، إلى جانب انخفاض أعداد أنواع أخرى. ومع أن الصيد يُمنع من آذار حتى نهاية أيار لحماية موسم التكاثر، يقول صيادون إن الالتزام بالحظر لا يزال محدوداً.

الرقة تستورد الأسماك من نهرها

على الرغم من امتداد الفرات نحو 700 كيلومتر داخل سوريا، مروراً بالرقة والطبقة، باتت المحافظة تستورد أسماكاً من مناطق أخرى، فيما تتركز التجارة المحلية في عدد محدود من المحال. وهذه المفارقة تكشف حجم الفجوة بين الموارد المتاحة وسوء إدارتها: نهر واسع لا يكفي مخزونه لتلبية حاجة سوق قريبة منه.

ويقترح الحمود إنشاء ضابطة متخصصة للثروة السمكية، وتفعيل المخافر النهرية، وتطبيق عقوبات رادعة، وتعويض الصيادين المرخصين خلال فترات الحظر، إلى جانب إنشاء مناطق محمية وإعادة رفد النهر بالأسماك الصغيرة. كما يرى أن بحيرات السدود توفر فرصاً للاستزراع السمكي إذا توافر التمويل والدعم الفني.

لكن هذه المقترحات تبقى بلا أثر ما لم تتحول إلى إجراءات فعلية، تبدأ بمحاسبة المخالفين ومراقبة تداول المواد السامة، ولا تنتهي عند إعادة تأهيل المخزون. فاستمرار الصيد الجائر لا يهدد دخل الصيادين وحدهم، بل يبدد مورداً غذائياً واقتصادياً في منطقة أنهكتها الحرب، بينما يدفع السكان كلفة غياب الحماية قبل أن تتاح لهم فرصة الاستفادة من ثروات محيطهم.

 

اقرأ أيضاً: الفرات ينزف أسماكه… الصيد بالكهرباء يستنزف ثروة الرقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

 

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.