الحملات الطبية في سوريا.. علاج مؤقت لقطاع صحي يبحث عن طريق الاستدامة
لم تعد الحملات الطبية في سوريا مجرد مبادرات عابرة لتقديم العلاج المجاني، بل تحولت إلى أحد المسارات التي تحاول من خلالها الحكومة السورية سدّ فجوات واسعة في الخدمات التخصصية، في وقت لا تزال فيه المستشفيات تواجه نقصاً في التجهيزات والكوادر، وتراكمت قوائم الانتظار أمام مرضى يحتاجون إلى عمليات وتداخلات لا تحتمل التأجيل.
ومنذ بداية عام 2026، نفذت وزارة الصحة نحو 55 حملة طبية، أتاحت قرابة 8 آلاف عمل جراحي و22 ألف استشارة، بمشاركة 19 شريكاً وطنياً ودولياً. أرقام تبدو كبيرة في ظاهرها، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم الاحتياج الذي لا يزال أكبر من قدرة المؤسسات الصحية على تلبيته بصورة منتظمة.
آلاف الخدمات.. وسؤال الاستدامة
بحسب معاون مدير الحملات الطبية في وزارة الصحة، الدكتور بلال بني المرجة، تستهدف الحملات نوعين من الاحتياجات: خدمات تخصصية يصعب توفيرها بصورة كافية داخل المستشفيات، مثل جراحات الأورام والتداخلات القلبية وزراعة الحلزون والقرنية وتبديل المفاصل، وأخرى متاحة أساساً لكنها تعاني ضغطاً شديداً، كعمليات الساد والقثطرة القلبية.
وتحاول الوزارة الاستفادة من الأطباء السوريين الموجودين خارج البلاد، ليس فقط لإجراء العمليات، وإنما لنقل الخبرة والتقنيات الحديثة إلى الكوادر المحلية عبر المحاضرات وورشات التدريب والمرافقة العملية.
غير أن المعادلة تكشف مشكلة أكثر تعقيداً: إذا كانت الخدمات التخصصية تحتاج باستمرار إلى فرق طبية وافدة ومبادرات مؤقتة، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بعدد العمليات المنجزة، بل بقدرة المستشفيات على إجراء هذه العمليات غداً من دون حملة.
وهنا تبرز البنية التحتية بوصفها إحدى أكثر حلقات القطاع الصحي هشاشة. فوزارة الصحة تقر بوجود مستشفيات تفتقر إلى أجهزة ومعدات وتجهيزات تسمح بإجراء عدد من التداخلات النوعية، فيما يرتبط التوسع في الخدمات بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على تأهيل المنشآت وتوفير المعدات والكوادر بصورة دائمة.
«نبضنا واحد».. أكثر من علاج
تقدم حملة «نبضنا واحد» نموذجاً لهذا المسار، بمشاركة أكثر من 70 طبيباً وعاملاً صحياً من سوريا وألمانيا ودول أوروبية أخرى، مع خطة لإجراء أكثر من 600 عملية وتداخل طبي في تسع محافظات، تشمل اختصاصات القلب والجراحة العصبية والجراحة الوعائية والمسالك البولية وغيرها.
ولا تتوقف الحملة عند غرف العمليات؛ إذ تتضمن أكثر من 20 ورشة تخصصية تستهدف الأطباء والمقيمين والكوادر التمريضية. وكما يقول المنسق الإعلامي للحملة الدكتور عبيدة بطه: «العملية الجراحية تنتهي، لكن المعرفة تبقى».
لكن بقاء المعرفة يحتاج إلى ما هو أبعد من الورشات: مستشفى قادر على استيعابها، أجهزة تعمل، أدوية ومستلزمات متوافرة، وتمويل يسمح للطبيب بتطبيق ما تعلمه بعد مغادرة الوفد الطبي.
القطاع الصحي أمام اختبار أكبر
المشكلة إذاً لا تكمن في غياب المبادرات، بل في خطر تحولها إلى بديل دائم عن المؤسسات العامة، بدلاً من أن تكون رافداً مؤقتاً لها.
وتقول وزارة الصحة إنها وضعت خططاً قصيرة ومتوسطة وبعيدة الأمد للحملات الطبية، وتسعى إلى تطوير برنامج وطني للاستفادة من الكفاءات السورية في الخارج. إلا أن نجاح هذا التوجه سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على معالجة أساس المشكلة: تأهيل المستشفيات، سد نقص التجهيزات، استعادة الكوادر، وتوفير خدمات تخصصية لا تتوقف بانتهاء كل حملة.
فالمريض الذي يحصل اليوم على عملية مجانية لا يحتاج إلى حملة جديدة غداً بقدر حاجته إلى مستشفى يستطيع استقباله في أي وقت.
وتبدو الحملات الطبية، بهذا المعنى، فرصة مهمة للقطاع الصحي، لكنها أيضاً مرآة تكشف ما ينقصه. وكلما اتسعت قائمة العمليات التي تحتاج إلى مبادرات استثنائية، بدا أكثر وضوحاً أن الطريق إلى التعافي الصحي في سوريا لا يمر بكثرة الحملات وحدها، بل بتحويل نتائجها إلى قدرة مؤسسية مستقرة، بحيث يصبح العلاج حقاً متاحاً داخل المستشفى، لا مناسبة مؤقتة تنتظر وصول فريق طبي من الخارج.
اقرأ أيضاً: انطلاق الحملة الطبية الدولية “شفاء 4” لإجراء جراحات نوعية ومجانية في مشافي حمص ودرعا