مستشفى تدمر الوطني خارج الخدمة الفعلية.. المرضى يدفعون كلفة غياب الرعاية في البادية
في تدمر، لا تبدو المشكلة الصحية مرتبطة بمرض بعينه، بقدر ما ترتبط بغياب المكان الذي يفترض أن يُعالج فيه المرضى. فمستشفى تدمر الوطني، المنشأة الصحية الوحيدة التي تخدم المدينة ومناطق واسعة من البادية، لا يزال يعمل بقدرة محدودة، فيما تتواصل أعمال تأهيله وسط نقص في الأطباء والتجهيزات والمستلزمات التشغيلية، ليصبح الوصول إلى العلاج نفسه رحلة إضافية على المرضى.
وتدفع محدودية الخدمات سكان تدمر إلى حمص ودمشق بحثاً عن اختصاص أو إجراء طبي غير متوافر محلياً، في وقت تتراكم فيه الأعباء المالية على عائلات تعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي خانق. وبحسب إفادات الأهالي، قد تصل كلفة النقل وحدها إلى نحو 100 دولار في الرحلة، فيما تضطر بعض الأسر إلى الاعتماد على تبرعات الأقارب والأهالي لتغطية تكاليف العلاج.
مستشفى بقدرة محدودة وأجهزة بلا تشغيل
المشهد داخل المستشفى يكشف فجوة بين وجود التجهيزات وبين القدرة على استخدامها. فالمرفق يعمل حالياً بطاقة لا تتجاوز 25 سريراً، مع غرفة عمليات واحدة وقسم للعناية المشددة والحواضن والنسائية والتوليد، إضافة إلى مخبر وجهاز أشعة بسيط.
أما المفارقة الأكثر قسوة فتتمثل في قسم غسيل الكلى؛ خمسة أجهزة وجهاز تحلية موجودة في المستشفى، لكنها خارج الخدمة لعدم توافر الأدوية والمواد المخبرية اللازمة. والنتيجة أن مرضى الفشل الكلوي لا يستفيدون من أجهزة يفترض أنها خُصصت لإنقاذ حياتهم، ويضطرون إلى قطع الطريق نحو حمص ثلاث مرات أسبوعياً.
ويقول مشرف المستشفى، الدكتور محمد عمير، إن المنشأة تحتاج إلى تجهيز غرف العمليات، وجهاز أشعة متطور، وجهاز قوسي للجراحة العظمية، وأسرة إضافية، ومعدات للإسعاف وسيارات إسعاف، إلى جانب أطباء اختصاصيين وفنيين ومساعدين وموظفين وسائقين.
وفي مستشفى يخدم مدينة ومناطق البادية، لا يوجد حالياً سوى سائقين اثنين على رأس العمل.
طريق طويل إلى العلاج
لا تتوقف الأزمة عند أبواب المستشفى. فالطرق التي تربط تدمر بحمص ودير الزور تشكل جزءاً من المشكلة، خصوصاً مع تكرار حوادث السير وبعد المسافات عن أقرب مراكز طبية قادرة على التعامل مع الحالات الخطرة.
ويستعيد سكان المدينة حادث السير الذي وقع في منطقة السخنة أواخر تموز الماضي، حين كشف الحادث، بحسب إفادات الأهالي، هشاشة منظومة الاستجابة الطبية في المنطقة، بعدما عجز المستشفى عن تأمين أكياس للموتى أو براد لحفظ الجثامين، واضطر الأهالي إلى التعامل بأنفسهم مع جثامين الضحايا وأشلائهم.
بالنسبة إلى سكان تدمر، لم تعد المسألة مجرد نقص في خدمة صحية، بل تحولت إلى معادلة قاسية: المريض الذي لا يجد اختصاصياً في مدينته عليه أن يدفع كلفة الطريق، والمصاب في حادث عليه أن يراهن على الزمن، ومرضى الأمراض المزمنة عليهم أن يجعلوا السفر جزءاً من علاجهم.
ترميم يتقدم.. لكن المستشفى لا يكتمل
تعود جذور التعثر إلى سنوات مضت. فقد أُعدت دراسات لصيانة المستشفى وإعادة تأهيله منذ 2019، وأُدرج المشروع ضمن الموازنة الاستثمارية، لكن غياب التمويل حال دون تنفيذه.
وفي آذار 2025، أظهر تقييم جديد وجود أضرار إنشائية بنحو 10%، إلى جانب حاجة واسعة إلى أعمال كهربائية وصحية وميكانيكية وإكساء. وفي أيلول من العام نفسه، سُلّم الموقع إلى شركة السلامة للمقاولات بعد توقيع مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل المستشفى، وبدأت أعمال التدعيم والتأهيل.
لكن المشكلة أن ترميم الجدران لا يعيد المستشفى إلى الحياة تلقائياً.
فالتمويل المتوافر يغطي الأعمال الإنشائية وتأهيل الطابقين الأرضي والأول، بينما تبقى منظومة الغازات الطبية والتكييف المركزي والمصاعد والتجهيزات الطبية والتشغيلية بحاجة إلى تمويل إضافي. كما أن المستشفى يحتاج، بعد انتهاء الترميم، إلى نحو 100 سرير وتجهيز طبي متكامل وكادر قادر على تشغيله.
وقد رفعت هذه الاحتياجات إلى وزارة الصحة، مع إدراج بعض التجهيزات ضمن موازنة 2026 والسعي لتأمينها عبر المنحة اليابانية.
الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار تدمر
تكشف حالة مستشفى تدمر الوطني مشكلة تتجاوز حدود منشأة صحية واحدة. فإعادة تأهيل المبنى، مهما كانت أهميتها، لا تكفي إذا بقيت الأجهزة بلا كوادر، والأقسام بلا مستلزمات، والمرضى بلا إسعاف، والمدينة بلا اختصاصيين.
وحتى الآن، تبدو الاستجابة موزعة بين تمويل أهلي، ومذكرات تفاهم، ودراسات مرفوعة، وخطط تنتظر الموازنات والمنح. أما المريض، فلا يملك رفاهية الانتظار.
في تدمر، تختبر الحكومة السورية الانتقالية قدرتها على تحويل وعود التعافي إلى خدمة فعلية. فالقطاع الصحي لا يُقاس بعدد المباني التي يجري ترميمها، بل بعدد المرضى الذين يستطيعون دخولها وتلقي العلاج داخلها.
وإلى أن تكتمل هذه المعادلة، سيبقى مستشفى تدمر الوطني قائماً كمبنى يجري إصلاحه، لا كمرفق صحي يستعيد دوره؛ وسيبقى سكان المدينة والبادية يدفعون ثمن المسافة، ونقص الإمكانات، وتأخر الحلول، كلما احتاجوا إلى علاج لا يحتمل التأجيل.
اقرأ ايضاً: مستشفى البيروني في دمشق تحت ضغط آلاف مرضى السرطان.. العلاج المجاني يصطدم بنقص الأدوية وتحديات البنية التحتية