إيكونوميست: إعادة إعمار سوريا تتطلب مليارات الدولارات والسوريون يترقبون من الشرع حلولاً للأزمات الداخلية
أكدت مجلة “إيكونوميست” البريطانية في تقرير لها أن ملف إعادة إعمار سوريا يواجه تحديات معقدة تتجاوز الجهود الدبلوماسية، مشيرة إلى أن التفجيرين اللذين شهدهما وسط العاصمة دمشق بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في السادس من تموز الجاري، يعكسان حدود التعافي الاقتصادي والأمني رغم الانفتاح الدولي الواسع على البلاد بعد نحو 18 شهراً من سقوط نظام بشار الأسد وتحول أحمد الشرع من العمل العسكري إلى قيادة الدولة.
زيارة ماكرون وأولويات الإنقاذ المالي
وأوضحت المجلة أن زيارة ماكرون التي رافقه فيها وفد رفيع من الرؤساء التنفيذيين للشركات الفرنسية، تعد الأبرز لزعيم غربي إلى دمشق منذ التغيير السياسي، لافتة إلى أن رئيس الحكومة أحمد الشرع يسعى حثيثاً لجذب الاستثمارات الأجنبية بدلاً من الاعتماد على المساعدات والإعانات في وقت تقدر فيه تقارير البنك الدولي كلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب بنحو 216 مليار دولار، وهو ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في عام 2024 بعد أن طال الدمار ثلث الأصول المادية للبلاد في قطاعات الطاقة والمياه والاتصالات والطرق والجسور.
جمود البيروقراطية وضعف القطاع المصرفي
وأشارت “إيكونوميست” في تقريرها إلى وجود فجوة بين الزخم الإعلامي للاتفاقيات والمؤتمرات الاستثمارية، وبين الواقع الميداني الذي يشهد إحباطاً متزايداً في أوساط قطاع الأعمال المحلي بسبب البيروقراطية واللوائح التنظيمية القديمة المصممة لتشجيع الفساد، فضلاً عن الصراعات الداخلية والرشاوى الصغيرة، بالتوازي مع أزمة سيولة حادة وقيود على السحب النقدي تدفع السوريين للإحجام عن إيداع مدخراتهم في المصارف المحلية، مما يحرمها من القدرة على منح القروض، وسط استمرار انهيار الليرة السورية أمام الدولار خلال الأشهر الأخيرة.
تدفق الاستثمارات الخليجية ومشاريع الطاقة والاتصالات
وعلى صعيد الاختراقات الاقتصادية، بينت المجلة أن دمشق تحولت إلى مركز استراتيجي جاذب للمستثمرين الخليجيين الذين يتوافدون عبر طائرات خاصة ورحلات تجارية يومية منتظمة، حيث تقود قطر قاطرة المشاريع عبر شركة “يو سي سي” للإنشاءات التي بدأت بالفعل إعادة تطوير مطار دمشق بهدف افتتاحه نهاية الصيف الحالي، إلى جانب استثمار مليارات الدولارات في محطات توليد الطاقة والاستحواذ على بنك سوري لتسهيل التحويلات المالية تمهيداً لتمويل مشروع إسكان ضخم وميسور التكلفة.
وفي سياق متصل، دخلت الإمارات بقوة عبر شركة “إعمار” العقارية التي يدرس رئيسها محمد العبار مشاريع بقيمة 18 مليار دولار، وسط مناقشات مستمرة مع وفود إماراتية لإنشاء ممر لوجستي وتطوير قطاعي النقل والتجارة
في حين تعهدت السعودية باستثمار أكثر من 5 مليارات دولار تشمل مشروعاً لشركة الاتصالات السعودية بقيمة 800 مليون دولار لإنشاء شبكة ألياف ضوئية بطول 4500 كيلومتر ومراكز بيانات وكوابل بحرية
بالتزامن مع منح سوريا ترخيصاً بقيمة 750 مليون دولار لشركة “زين” الكويتية لإطلاق شبكة الجيل الخامس (5G).
مبادرات المغتربين والعودة الحذرة للشركات الأمريكية
ورصد تقرير “إيكونوميست” انخراط المستثمرين السوريين في المغترب في هذه الديناميكية، حيث يسعى رائد الأعمال الكندي السوري هادي علاء الدين لبناء أول مركز بيانات في البلاد، ويضغط رجل الأعمال سامر شمسي باشا لتحويل مطار عسكري مهجور في حمص إلى مطار مدني يضم مدرسة للطيران
كما بدأت شركات أمريكية دخول السوق السورية بحذر بعد الإعلان النظري عن إنهاء العقوبات، حيث أعلنت شركتا “فيزا” و”ماستركارد” عن عودتهما، وتتجه شركات نفط أمريكية للتعاون مع شركاء إقليميين للاستثمار في الحقول السورية، بينما يترقب بنك “جيه بي مورغان تشيس” الحصول على قرض بقيمة 7 مليارات دولار بضمانة بنك قطري حكومي لتمويل مشاريع تقودها شركة “يو سي سي”.
ضبابية الرؤية الاقتصادية والمطالب الشعبية
واختتمت المجلة تقريرها بالإشارة إلى التحديات الهيكلية التي تواجه المستثمرين الغربيين بسبب غياب التنسيق في الرؤية الاقتصادية للحكومة، مستشهدة بالتناقض بين تصريحات الوزراء حول تبني اقتصاد السوق الحر ودعوات وزراء آخرين لاقتصاد “حر ومخطط”
وفي المقابل، يتصاعد القلق الشعبي محلياً من تركيز الرئيس الشرع على الملف الخارجي مقابل إغفال الأزمات الداخلية وعدم ملاحقة رموز النظام السابق بالشكل الكافي، مما أدى مؤخراً إلى اقتحام حشود لمنازل ضباط سابقين ومقتل بعضهم، مؤكدة أن ربع السوريين يعيشون حالياً تحت خط الفقر المدقع، وأن الحكم النهائي على نجاح قيادة الشرع سيرتبط بقدرتها على إعادة الحياة للمناطق المدمرة بالكامل مثل ضاحية جوبر بدمشق المفتقرة لأدنى مقومات البنية التحتية والاتصالات.
اقرأ أيضاً:ماكرون في دمشق.. ما الذي يريده..؟