ريف إدلب الجنوبي يعود إلى الحياة بلا كهرباء… عشرات القرى تنتظر شبكة أنهكتها الحرب

مع حلول المساء، لا تنطفئ المصابيح في قرى ريف إدلب الجنوبي فحسب، بل تتوقف معها تفاصيل الحياة اليومية. فلا أجهزة منزلية تعمل، ولا مضخات تروي الأراضي، ولا شوارع تنير طريق السكان العائدين إلى بيوتهم بعد سنوات من النزوح.

فبعد نحو عقد من انقطاع التيار الكهربائي، ما تزال عشرات القرى والبلدات في ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي وسهل الغاب تعيش خارج حسابات الشبكة العامة، بعدما حول الدمار الذي طال البنية التحتية الكهربائية الخدمة الأساسية إلى عبء جديد يضاف إلى أعباء الحرب والفقر.

ومع عودة آلاف النازحين إلى مناطقهم، برزت الكهرباء كأحد أكبر التحديات أمام استقرار السكان، في ظل شبكة مدمرة وبدائل مكلفة لا تمنح سوى جرعات محدودة من الحياة الطبيعية.

حياة معلقة على ضوء بديل

لا يقتصر غياب الكهرباء على الظلام بعد غروب الشمس، بل يمتد إلى تفاصيل المنازل والعمل والتعليم والزراعة.

في قرية معرشمارين جنوب شرقي إدلب، تقول مرام الحسيني إن انقطاع الكهرباء جعل إدارة المنزل أكثر صعوبة، بعدما تعطلت الأجهزة المنزلية وتضاعفت أعباء الأعمال اليومية، مشيرة إلى أن ابنتها واجهت صعوبات كبيرة في الدراسة خلال فترة الامتحانات بسبب الاعتماد على الشموع والإنارة البديلة.

أما الطفل عمران السلوم من قرية كنصفرة في جبل الزاوية، فيصف المساء بأنه موعد يومي مع الظلام، موضحاً أن نفاد شحن البطاريات يجبره أحياناً على الدراسة على ضوء الشموع، في وقت تحولت فيه الكهرباء من خدمة أساسية إلى أمنية بسيطة لدى الأطفال.

ولم تسلم الزراعة من آثار الانقطاع، إذ توقفت مضخات الري في العديد من المناطق، فيما تواجه الورش والمشاريع الصغيرة صعوبة في تشغيل معداتها، ما يعرقل أي محاولة لاستعادة النشاط الاقتصادي في المنطقة.

بدائل تستنزف الجيوب

أمام غياب الشبكة العامة، لجأ الأهالي إلى المولدات الخاصة والطاقة الشمسية، إلا أن هذه الحلول بقيت مرتبطة بقدرة السكان المالية.

ويؤكد أصحاب المهن أن تشغيل المولدات أصبح عبئاً ثقيلاً بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الصيانة، بينما باتت الطاقة الشمسية خياراً أكثر انتشاراً رغم ارتفاع كلفة تركيبها وعدم قدرتها على تأمين احتياجات كاملة، خصوصاً خلال ساعات الليل.

ويقول مزارعون إن التحول إلى الطاقة الشمسية خفف جزءاً من المعاناة، لكنه لم يحل المشكلة جذرياً، إذ تبقى قدرتها محدودة بالنسبة للقطاع الزراعي والأنشطة الإنتاجية التي تحتاج إلى تغذية مستقرة.

وفي قرية التح جنوبي إدلب، حيث تقيم نحو 300 عائلة، تؤكد مريم الهاشم أن غياب الكهرباء والمياه يعطل عودة الحياة الطبيعية، مشيرة إلى أن المناشدات المتكررة لم تترجم حتى الآن إلى حلول فعلية.

شبكة مدمرة وخطط تنتظر التمويل

من جهته، أوضح المدير العام للشركة العامة لكهرباء إدلب المهندس إبراهيم حميجو أن البنية التحتية الكهربائية في ريف إدلب الجنوبي تعرضت لدمار واسع، شمل محطات التحويل وخطوط التوتر العالي والمتوسط والمنخفض.

وأشار إلى أن الشركة تعمل حالياً ضمن خطة إسعافية لإعادة تأهيل خطوط التغذية وتجهيز محطات التحويل، بهدف إعادة التيار تدريجياً إلى مناطق معرة النعمان وخان شيخون والقرى المحيطة وسنجار.

وأكد أن تحديد موعد نهائي لإعادة الكهرباء إلى جميع المناطق ما يزال مرتبطاً بالتقييمات الفنية وتوفر المعدات والتمويل، موضحاً أن الأولوية ستكون لإعادة التغذية إلى مراكز المدن قبل التوسع نحو البلدات والقرى.

عودة بلا خدمات كاملة

تكشف أزمة كهرباء ريف إدلب الجنوبي فجوة واسعة بين عودة السكان إلى مناطقهم وبين قدرة المؤسسات على توفير مقومات الاستقرار. فالمنازل التي فتحت أبوابها بعد سنوات النزوح ما تزال تواجه واقعاً خدمياً هشاً، فيما تبقى المشاريع الكبرى رهينة التمويل والإجراءات البطيئة.

وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، يمثل ملف الكهرباء اختباراً حقيقياً للحكومة السورية الانتقالية؛ إذ لا يكفي إعادة السكان إلى قراهم، ما لم ترافق العودة خدمات أساسية تعيد الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ففي قرى ريف إدلب الجنوبي، لا يزال السؤال قائماً: متى يعود التيار إلى مناطق عادت إليها الحياة قبل أن تعود إليها الكهرباء؟

 

اقرأ أيضاً: ستة أشهر في العتمة.. أزمة الكهرباء تثقل حياة سكان نبل والزهراء شمالي حلب

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.