زيارة ماكرون إلى دمشق تعيد ملف الجهاديين الفرنسيين إلى الواجهة.. هل يتحول التعاون الأمني إلى ورقة تفاوض؟

في لحظة تتجه فيها العلاقات السورية–الفرنسية نحو اختبار سياسي جديد مع الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، عاد ملف الجهاديين الفرنسيين في سوريا ليتصدر المشهد، بعدما سلط تقرير لوكالة فرانس برس” الضوء على أوضاع المقاتلين المتبقين، ومستوى التنسيق الأمني بين باريس ودمشق، في تزامن يفتح الباب أمام تساؤلات حول الملفات الحقيقية التي ستطغى على المباحثات المرتقبة.

فالزيارة، التي تأتي في ظل تحولات إقليمية متسارعة، لا تقتصر على إعادة فتح قنوات التواصل السياسي والاقتصادي، بل تضع أمام الحكومة السورية الانتقالية اختبارًا يتعلق بقدرتها على إدارة أحد أكثر الملفات الأمنية حساسية بالنسبة للدول الغربية، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات داخلية معقدة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب السوري، إلى جانب بؤر أمنية غير مستقرة في أكثر من منطقة.

الجهاديون الفرنسيون… ملف يتجاوز البعد الأمني

أعلنت الرئاسة السورية أن الرئيس الفرنسي سيصل إلى دمشق على رأس وفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، لبحث العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

لكن تزامن الإعلان مع تقرير “فرانس برس” أعاد تسليط الضوء على ملف المقاتلين الفرنسيين الذين بقوا في سوريا بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، وهو ملف ظل حاضرًا في الاتصالات الأمنية بين باريس ودمشق، حتى في الفترات التي غابت فيها العلاقات السياسية المباشرة.

ورغم غياب إعلان رسمي عن جدول الأعمال، يرى مراقبون أن ملف المقاتلين الأجانب مرشح لاحتلال مساحة مهمة من النقاش، بالنظر إلى ارتباطه بقضايا مكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي ومستقبل العلاقات مع العواصم الأوروبية.

ثلاث مجموعات… ومستويات مختلفة من التحدي

بحسب تقرير الوكالة، لم يبق في سوريا سوى عشرات الجهاديين الفرنسيين، يتوزعون على ثلاث مجموعات رئيسية.

الأولى تضم عناصر “فرقة الغرباء بقيادة عمر ديابي المعروف بـ”عمر أومسن”، والمتمركزة في ريف إدلب، بينما تضم الثانية مقاتلين سابقين أُلحق بعضهم بتشكيلات عسكرية وأمنية تابعة للحكومة السورية الانتقالية، في حين تشمل الثالثة نساءً وأطفالًا وعناصر سابقين كانوا محتجزين في مخيمات شمال شرقي سوريا.

وأشار التقرير إلى انضمام عدد من الفرنسيين إلى تشكيلات مثل “اللواء 82” و”اللواء 84″، في خطوة ينظر إليها باعتبارها محاولة لاحتواء بعض المقاتلين السابقين وإبقائهم تحت رقابة الدولة، إلا أن هذا المسار لا يزال يثير تساؤلات حول آليات الدمج، وحدود الدور الذي يمكن أن يؤديه هؤلاء مستقبلًا.

فرقة الغرباء”… العقدة الأكثر تعقيدًا

في المقابل، لا تزال فرقة الغرباء تمثل التحدي الأكثر حساسية، إذ تشير تقديرات إلى أن المجموعة تضم عشرات المقاتلين إلى جانب عائلاتهم، بينما تتهمها السلطات السورية برفض الاندماج والاستمرار في تبني خطاب متشدد.

وكانت المواجهات التي شهدها مخيم المجموعة قرب مدينة حارم في تشرين الأول 2025 قد عكست حجم التوتر القائم، بعدما نفذت قوات الأمن السورية حملة استهدفت زعيمها عمر أومسن، في عملية قال أومسن إنها جاءت بتنسيق فرنسي–سوري، وهو ما نفته الجهات الرسمية.

كما تؤكد تقارير بحثية استمرار نشاط المجموعة إعلاميًا عبر منصات التواصل، مع تصاعد خطابها المنتقد لكل من باريس ودمشق، ما يعكس أن المواجهة معها لم تعد عسكرية فقط، بل باتت تمتد إلى الفضاء الإعلامي والأيديولوجي.

ورقة تفاوض في علاقة تتشكل من جديد

تأتي زيارة ماكرون في وقت تسعى فيه باريس إلى إعادة بناء قنوات الاتصال مع دمشق ضمن مقاربة جديدة، بينما تحاول الحكومة السورية الانتقالية توسيع انفتاحها الخارجي واستقطاب الدعم الاقتصادي والاستثماري.

وفي هذا السياق، يبدو أن ملف الجهاديين الفرنسيين يتجاوز كونه قضية أمنية، ليصبح ورقة سياسية مرتبطة بمستقبل العلاقات الثنائية، إذ ترى فرنسا أن استمرار مراقبة مواطنيها المنخرطين سابقًا في التنظيمات المتشددة يمثل أولوية أمنية، فيما تحاول دمشق إظهار قدرتها على ضبط هذا الملف ضمن مساعيها لاستعادة حضورها الدبلوماسي.

ورغم أن التعاون الأمني بين الجانبين يوصف بأنه مستمر في بعض الملفات، فإن نجاحه سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الحكومة السورية على فرض سيطرة مؤسساتها على كامل الجغرافيا السورية، ومعالجة التحديات الأمنية المتراكمة، في ظل استمرار الانقسام الميداني والضغوط الإقليمية، بما فيها الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي المستمر لأجزاء من الأراضي السورية.

 

اقرأ أيضاً: تأجيل أولى جلسات مجلس الشعب بسبب زيارة ماكرون.. الاستحقاقات الداخلية تتراجع أمام الأولويات الخارجية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

 

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.