استنزاف المياه الجوفية في سوريا يفاقم تحديات الأمن المائي والغذائي

حذرت دراسة حديثة من أن سوريا تواجه أزمة متصاعدة في مواردها من المياه الجوفية، نتيجة تداخل عوامل طبيعية وبشرية أدت إلى استنزاف المخزون المائي بمعدلات تتجاوز قدرته على التجدد، الأمر الذي يهدد الأمن المائي والغذائي ويزيد الضغوط على القطاع الزراعي ومياه الشرب والبيئة.

وأعد الدراسة المهندس الزراعي مراد قره مصطفى، الذي أشار إلى أن المياه الجوفية، التي شكلت لعقود مخزوناً استراتيجياً لتعويض نقص الموارد السطحية، أصبحت تتعرض لضغوط غير مسبوقة بفعل التغير المناخي، وتراجع الهطولات المطرية، والتوسع في حفر الآبار، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب، إضافة إلى تحديات إدارة الموارد المائية.

وترى الدراسة أن استمرار استخراج المياه بمعدلات أعلى من قدرتها الطبيعية على التجدد ينذر بتراجع المخزون الجوفي في عدد من الأحواض الرئيسية، مع ما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية واسعة.

مؤشرات تعكس حجم الأزمة

وتعرض الدراسة مجموعة من المؤشرات التي توضح حجم الضغوط الواقعة على المياه الجوفية في سوريا، من أبرزها انخفاض مستويات المياه الجوفية في شمال غربي البلاد بنحو 43 بالمئة خلال العقد الأخير، بينما وصلت نسبة الانخفاض في بعض المناطق، مثل مدينة الباب، إلى 62 بالمئة.

كما ارتفع عدد آبار الري في شمال غربي سوريا من 8173 بئراً قبل عام 2011 إلى 16932 بئراً بعده، بزيادة بلغت 107 بالمئة، في حين تقدر الدراسة وجود نحو 50 ألف بئر غير مرخصة في محافظة درعا.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن حوض نهر العاصي فقد ما يعادل 2.25 مليون لتر من المياه الجوفية لكل هكتار بين عامي 2012 و2023، في وقت يستهلك فيه القطاع الزراعي ما بين 85 و90 بالمئة من إجمالي الموارد المائية، مع استمرار الاعتماد بشكل واسع على الري بالغمر، الذي يهدر نحو نصف المياه المستخدمة.

وتقدر الدراسة حجم الموارد الجوفية المتجددة في سوريا بنحو ستة مليارات متر مكعب سنوياً، إلا أن معدلات الضخ في عدد من الأحواض تجاوزت معدلات التغذية الطبيعية، ما أدى إلى تسارع استنزاف المخزون.

ميزانية الموارد المائية في سوريا وتوزع مصادرها

سبعة أحواض مائية تختلف في الموارد والضغوط

وتوضح الدراسة أن سوريا تتلقى سنوياً نحو 46 مليار متر مكعب من مياه الأمطار، إلا أن توزيعها الجغرافي غير متوازن، إذ تتركز الهطولات في المناطق الساحلية والجبلية، بينما تتراجع بشكل واضح في المناطق الشرقية والبادية.

وتنقسم البلاد هيدرولوجياً إلى سبعة أحواض رئيسية هي: الفرات، ودجلة والخابور، والعاصي، والساحل، واليرموك، وبردى والأعوج، والسهوب، وتختلف هذه الأحواض من حيث المساحة، وكميات الأمطار، والموارد المائية المتاحة، وهو ما يجعل طبيعة التحديات والإدارة المائية مختلفة من منطقة إلى أخرى.

وتبين الدراسة أن حوض الفرات يحتل المرتبة الأولى من حيث حجم الموارد المائية، يليه حوض الساحل، ثم دجلة والخابور والعاصي، في حين تسجل أحواض بردى والأعوج واليرموك والسهوب موارد أقل نسبياً.

الأحواض المائية الرئيسية في سوريا

المياه الجوفية.. صمام أمان أصبح مهدداً

وتشير الدراسة إلى أن المياه الجوفية لم تعد مجرد مصدر إضافي للمياه، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة الركيزة الأساسية لتعويض انخفاض الموارد السطحية الناتج عن تراجع الأمطار وانخفاض تدفقات الأنهار وتعطل مشاريع الري.

وترى أن الاعتماد المتزايد على هذا المورد، دون تعويض طبيعي بالمعدلات نفسها، أدى إلى ضغوط كبيرة على الخزانات الجوفية، ما يهدد بتحولها من احتياطي استراتيجي إلى مورد معرض للنضوب.

الفرات.. أكبر الموارد وأكثرها ارتباطاً بالخارج

تصف الدراسة حوض الفرات بأنه الشريان المائي الأهم في سوريا، إذ يوفر نحو 7.9 مليارات متر مكعب من المياه سنوياً، ويمتد داخل الأراضي السورية لمسافة تقارب 610 كيلومترات.

وتشير إلى أن الحوض يعتمد بدرجة كبيرة على المياه القادمة من خارج الحدود، ولا سيما من تركيا، التي تتحكم بجزء كبير من تدفقات النهر عبر مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP).

وبحسب الدراسة، أدى انخفاض تدفقات الفرات خلال بعض الفترات إلى ما دون الحد الأدنى المنصوص عليه في تفاهم عام 1987 إلى زيادة اعتماد المزارعين على ضخ المياه الجوفية لتعويض نقص المياه السطحية.

السيطرة على تدفقات الفرات وتأثيرها في المياه الجوفية

العاصي.. استنزاف مستمر منذ عقود

وتعتبر الدراسة أن حوض العاصي من أكثر الأحواض تعرضاً للاستنزاف، إذ تظهر بيانات التصريف المائي انخفاضاً تدريجياً منذ بدايات القرن الماضي.

فقد تراجع متوسط التصريف السنوي عند محطة داركوش من نحو 1.85 مليار متر مكعب في ثلاثينيات القرن الماضي إلى نحو 600 مليون متر مكعب فقط مع بداية القرن الحادي والعشرين.

كما جفت ينابيع كانت تشكل مصادر رئيسية للمياه، مثل ينابيع شرق سهل الغاب، فيما انخفض تدفق ينابيع منطقة القصير، ومنها عين التنور، إلى نحو ثلث مستواه السابق.

وتدعم الدراسة هذه النتائج ببيانات الأقمار الصناعية، التي أظهرت فقدان الجزء السوري من حوض العاصي مخزوناً جوفياً يعادل سماكة مائية تبلغ 14.2 سنتيمتراً بين عامي 2002 و2009، مع استمرار الخسائر خلال السنوات اللاحقة.

التراجع التاريخي لتصريف نهر العاصي

الخابور.. الجفاف غيّر ملامح المنطقة

وتوضح الدراسة أن حوض الخابور شهد تراجعاً حاداً في تدفق المياه نتيجة موجات الجفاف والتوسع في الزراعة المروية.

وأدى ذلك، بحسب الدراسة، إلى نفوق أكثر من 85 بالمئة من الثروة الحيوانية في شرق سوريا، وانخفاض إنتاجية المحاصيل المروية بنسبة 23 بالمئة، والمحاصيل البعلية بنسبة 79 بالمئة، فضلاً عن هجرة ما بين 60 و70 بالمئة من قرى الحسكة ومجاري الخابور بحلول عام 2009.

دمشق.. ضغط سكاني وإدارة معقدة

وتخصص الدراسة قسماً لحوض بردى والأعوج، الذي يغذي دمشق ومحيطها، معتبرة أنه يمثل نموذجاً للضغوط الناتجة عن الكثافة السكانية المرتفعة وسوء إدارة الموارد.

وتشير إلى أن 87 بالمئة من الآبار في منطقة دمشق كانت غير مرخصة قبل عام 2011، مقابل 38 بالمئة في بقية أنحاء سوريا، كما انخفضت مناسيب المياه الجوفية بمعدل يتراوح بين متر وثلاثة أمتار سنوياً خلال العقد الذي سبق عام 2011.

الآبار المرخصة وغير المرخصة في دمشق مقارنة ببقية المحافظات

 

وترى الدراسة أن أزمة المياه الجوفية ليست نتيجة عامل واحد، وإنما حصيلة تداخل أربعة عوامل رئيسية، هي التغير المناخي، والتوسع في حفر الآبار، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب، والسياسات الزراعية التقليدية.

وتشير إلى أن سوريا تمر بواحدة من أطول موجات الجفاف في تاريخها الحديث، مع انخفاض واضح في معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التبخر.

وتستشهد الدراسة بمحافظة درعا، حيث انخفض معدل الهطول المطري خلال عام 2025 إلى نحو 151 مليمتراً، مقارنة بـ293.5 مليمتراً في العام السابق.

كما أسهم الانتشار الواسع لأنظمة الطاقة الشمسية في خفض تكاليف تشغيل المضخات، وهو ما أدى إلى زيادة ساعات الضخ واستخراج كميات أكبر من المياه في ظل غياب ضوابط تنظيمية.

الحرب والسياسات الزراعية

وتربط الدراسة بين تضرر نحو ثلثي البنية التحتية المائية خلال سنوات الحرب وبين تزايد الاعتماد على المياه الجوفية، بعد خروج أجزاء واسعة من شبكات الري والسدود ومحطات الضخ عن الخدمة.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الدراسة أن جذور الأزمة تعود إلى ما قبل الحرب، إذ توسعت المساحات الزراعية المروية بأكثر من 50 بالمئة بين عامي 2000 و2010، مع استمرار الاعتماد على الري بالغمر، الذي يهدر نحو نصف المياه المستخدمة، مقابل محدودية استخدام تقنيات الري الحديثة.

الزراعة والأمن الغذائي يدفعان الثمن

وترى الدراسة أن القطاع الزراعي يعد الأكثر تضرراً من استنزاف المياه الجوفية، مشيرة إلى تقديرات برنامج الأغذية العالمي لعام 2025 التي تفيد بخسارة نحو 75 بالمئة من محصول القمح، وهي كمية تكفي لإطعام نحو 16 مليون شخص لمدة عام.

كما انخفضت المساحات المروية في شمال غربي سوريا بنسبة 8.5 بالمئة، وتراجعت المساحات المزروعة إجمالاً بنسبة 15.3 بالمئة، بينما وصلت نسبة التراجع في منطقة الباب إلى 60 بالمئة.

وأمام هذه التحديات، اضطر 90 بالمئة من المزارعين إلى تقليل عدد مرات الري، فيما لجأ 81 بالمئة منهم إلى حفر آبار جديدة، واتجهت النسبة نفسها إلى زراعة محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، بينما ترك 32 بالمئة النشاط الزراعي بالكامل بحثاً عن مصادر دخل بديلة.

 

اتجاه خسائر محصول القمح في سوريا بين عامي 2020 و2025

تأثيرات على مياه الشرب والهجرة والبيئة

ولا تقتصر آثار الأزمة على الزراعة، إذ تشير الدراسة إلى انخفاض متوسط استهلاك الفرد من مياه الشرب في شمال غربي سوريا بنسبة 45 بالمئة، من 59 لتراً يومياً قبل عام 2011 إلى 32 لتراً بعده، وهي مستويات تقل عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية.

كما تربط الدراسة بين تراجع الموارد المائية والهجرة الداخلية، موضحة أن موجة الجفاف بين عامي 2006 و2009 أضرت بسبل عيش نحو 800 ألف شخص، وأسهمت في انتقال أعداد كبيرة من سكان الريف إلى المدن.

وعلى الصعيد البيئي، أدى انخفاض المياه الجوفية إلى تراجع غزارة الينابيع، وجفاف بعضها، وارتفاع ملوحة التربة، وتسارع التصحر، خاصة في المناطق الشرقية والبادية.

خارطة طريق لإدارة الأزمة

وتختتم الدراسة بجملة من التوصيات، أبرزها إنشاء إطار متكامل لحوكمة المياه يشمل تسجيل جميع الآبار، وتسوية أوضاعها القانونية، وإغلاق الآبار المخالفة، وتطوير أنظمة رقابية لمراقبة كميات الضخ.

كما تدعو إلى إعادة هيكلة السياسات الزراعية، عبر التوسع في المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، وتعميم تقنيات الري الحديثة، وإعادة تأهيل شبكات الري والبنية التحتية المائية، وتعزيز التعاون مع دول الجوار في إدارة الأحواض المشتركة، إلى جانب دمج سياسات التكيف مع تغير المناخ ضمن التخطيط المائي.

وتخلص الدراسة إلى أن المياه الجوفية في سوريا تقف عند مرحلة مفصلية، وأن استمرار معدلات الاستنزاف الحالية قد يؤدي إلى تراجع كبير في المخزون الجوفي خلال السنوات المقبلة، ما لم تُتخذ إجراءات متزامنة لتحسين الإدارة المائية، وتطوير القطاع الزراعي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بما يضمن استدامة هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.

اقرأ أيضاً:أزمة إنسانية متفاقمة: %80 من الأسر السورية تعجز عن تأمين الغذاء

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.