منبج عطشى تحت وطأة شبكة متهالكة… أكثر من مليون نسمة ينتظرون مشروعاً مؤجلاً لإنهاء أزمة المياه
مع دخول فصل الصيف، لا تواجه مدينة منبج بريف حلب الشرقي مجرد نقص في مياه الشرب، بل أزمة بنيوية كشفت هشاشة قطاع خدمي أنهكته سنوات الإهمال وتراكم الأعطال. فالمياه التي يفترض أن تكون خدمة أساسية، تحولت إلى مورد يُدار بالتقنين والمداورة، فيما تكافح منظومة قديمة لتلبية احتياجات مدينة تضاعف عدد سكانها مرات عدة.
وبين خطوط ضخ تجاوزت عمرها الافتراضي ومحطات تعمل خارج قدرتها التصميمية، يجد مئات آلاف السكان أنفسهم أمام واقع تتسع فيه الفجوة بين الحاجة المتزايدة والإمكانات المحدودة، في انتظار مشاريع استراتيجية ما زالت عالقة في دائرة الدراسات والوعود.
شبكة صُممت لمدينة لم تعد موجودة
يكشف رئيس الوحدة الاقتصادية لمياه الشرب والصرف الصحي في منبج وريفها المهندس وليد الحجي أن المنظومة الحالية تعمل بأكثر من طاقتها، بعدما صُممت قبل عقود لخدمة نحو 400 ألف نسمة، بينما تجاوز عدد السكان حاجز المليون نسمة.
وتعتمد المدينة على مشروع مياه منبج الذي يبدأ من محطات المعالجة عبر أربع مضخات رئيسية تنقل المياه إلى خزان تل أسود، ومنه إلى خزان قرية القرعة قبل توزيعها على المنازل.
لكن هذه المنظومة، وفق الحجي، استنفدت عمرها التشغيلي منذ سنوات، وكان يفترض إنشاء مشروع رديف منذ عام 2000 لمواكبة النمو السكاني، إلا أن توقف المشاريع الاستراتيجية منذ عام 2010 أبقى المدينة رهينة حلول مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة.
صيف التقنين… والمياه بالحساب
أمام العجز في القدرة التشغيلية، لجأت الوحدة الاقتصادية إلى نظام المداورة لتوزيع المياه، بحيث تحصل المدينة على ثلاثة أيام مقابل يوم واحد للريف، في محاولة لتغطية أكبر مساحة ممكنة ضمن الإمكانات المتاحة.
ويؤكد الحجي أن خط الضخ الحالي لم يعد قادراً على خدمة الامتداد الريفي الواسع بين الخفسة ومنبج، بعد ارتفاع الكثافة السكانية بشكل كبير، مشيراً إلى أن الإجراءات الحالية تقتصر على إصلاح الأعطال وإعادة تشغيل المضخات المتوقفة لتخفيف حدة الأزمة.
ورغم إعادة تأهيل بعض المحركات وتجديد أجزاء من المنظومة بدعم من جهات محلية وإدارة المنطقة والشركة العامة لمياه الشرب في حلب، فإن التحسن بقي محدوداً، إذ ما تزال الخدمة قائمة على إدارة النقص بدلاً من إنهاء الأزمة.
مشاريع مؤجلة أمام واقع متدهور
تشير الوحدة الاقتصادية إلى وجود دراسة فنية لتطوير شبكة المياه، تتضمن استبدال المضخات القديمة في محطة الحبوبة، وإنشاء خط ضخ مباشر إلى خزان قرية القرعة، بما يسمح بفصل تغذية المدينة عن الريف وتحسين استقرار الخدمة.
لكن هذه المشاريع تبقى مرتبطة بمرحلة التنفيذ، وهي الحلقة التي لطالما شكلت نقطة ضعف في ملف الخدمات السورية، حيث تتراكم الدراسات بينما تستمر المعاناة اليومية للسكان.
ويأمل المسؤولون بدء تنفيذ المشاريع خلال نهاية العام الحالي، إلا أن سكان منبج الذين عاشوا سنوات من الحرمان الخدمي لا ينتظرون مزيداً من الخطط، بل حلولاً ملموسة تعيد المياه إلى منازلهم دون حسابات التقنين.
أزمة مياه تكشف أزمة إدارة
لا تبدو أزمة المياه في منبج نتيجة عطل فني عابر، بل انعكاساً لواقع خدمي أوسع تعانيه مناطق سورية عدة، حيث تتقدم الحاجة السكانية بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على الاستجابة.
ومع استمرار ارتفاع عدد السكان وتآكل البنية التحتية، تجد الحكومة السورية الانتقالية نفسها أمام اختبار حقيقي في ملف الخدمات الأساسية؛ فإدارة الأزمات بالحلول الإسعافية قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تبني منظومة قادرة على الصمود.
وفي منبج، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول الدراسات المؤجلة إلى مشاريع فعلية، أم يستمر السكان في انتظار مياه تأتي وفق جدول تقنين جديد؟
اقرأ أيضاً: أزمة مياه خانقة تهدد الاستقرار في قرية “الكندة” بريف إدلب الغربي.. والأهالي يناشدون