رفع العقوبات عن سوريا لا يكفي.. أدوية وأجهزة طبية عالقة خلف التحويلات والإجراءات

فتح رفع الولايات المتحدة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب نافذة طال انتظارها أمام القطاع الصحي، لكنه لم يفتح الأبواب كلها. فالمستشفيات والصيدليات التي عانت طويلاً من صعوبة استيراد الأدوية والأجهزة وقطع التبديل، لا تزال تنتظر أن تتحول الخطوة السياسية والقانونية إلى توريد فعلي يصل إلى غرف المرضى والمختبرات.

فالقيود السابقة لم تكن مجرد عائق على الورق، بل تركت أجهزة متوقفة، وقطع صيانة يصعب تأمينها، ونقصاً في بعض الكواشف والمستلزمات والمواد الأولية. ومع إزالة جزء أساسي من هذه القيود، تنتقل المشكلة إلى طبقة أخرى أكثر تعقيداً: المصارف، والامتثال، والتعاقد، والشحن، والتخليص، ثم قدرة المؤسسات السورية على إدارة هذه السلسلة بكفاءة.

أجهزة متوقفة وقوائم تنتظر التوريد

يعمل القطاع الصحي حالياً على استثمار هامش الحركة الجديد. وقال مدير إدارة الهندسة الطبية في وزارة الصحة نور الدين عرابي إن الوزارة تعد قوائم بالكواشف والمستلزمات التي كان استيرادها متعذراً، بالتوازي مع حصر الأجهزة النوعية المتوقفة وقطع التبديل اللازمة لإعادتها إلى الخدمة.

وبحسب عرابي، كانت أجهزة ذات منشأ غربي تواجه صعوبة في الصيانة نتيجة امتناع شركات عالمية عن التوريد أو تعيين ممثلين وموزعين في سوريا. كما تحتاج بعض الشركات اليوم إلى تعديل أنظمتها وإجراءاتها الداخلية التي تغيرت خلال سنوات القيود، بالتنسيق مع الجهات السورية المختصة.

لكن هذه الخطوات تكشف أيضاً بطء الانتقال من القرار إلى التنفيذ. فالوزارة تتحدث عن قوائم واتصالات وخطط بديلة، فيما تبقى قيمة رفع القيود بالنسبة للمريض محدودة ما لم تتحول تلك الإجراءات إلى أجهزة تعمل وأدوية تصل في موعدها.

التحويلات المصرفية هي العقدة الجديدة

يرى نقيب صيادلة ريف دمشق أيمن العبود أن رفع القيود يمثل تحولاً مهماً، لكنه لا يعني وصول الدواء فوراً. فعملية الاستيراد تبدأ بالتعاقد والتحويل المالي، ثم الشحن والتخليص والتوزيع، وأي خلل في حلقة منها يمكن أن يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

وتبقى التحويلات المالية إحدى أكثر الحلقات حساسية، إذ تخضع المصارف الدولية لسياسات الامتثال وإدارة المخاطر، وقد تستمر بعض المؤسسات في التحفظ حتى بعد تغير الوضع القانوني.

لذلك فإن الحديث عن انخفاض أسعار الأدوية سابق لأوانه. فاتساع دائرة الموردين قد يحسن المنافسة، لكن الأسعار ستظل مرتبطة بسعر الصرف والشحن والتمويل والرسوم والتوزيع، ما يعني أن إزالة القيد القانوني وحدها لا تصنع سوقاً مستقرة.

القطاع الصحي يحتاج أكثر من الدواء

لا تتوقف الحاجة عند الأدوية، إذ تشمل أيضاً قطع تبديل الأجهزة، والكواشف المخبرية، والمستلزمات الجراحية، وأجهزة غسيل الكلى والتصوير الطبي والأطراف الصناعية وغيرها من التجهيزات التي يتوقف عمل جزء من المنظومة الصحية عليها.

ويشير العبود إلى ضرورة وضع أولويات واضحة للاستيراد، تبدأ بالأدوية المنقذة للحياة وأدوية الأمراض المزمنة والأصناف التي لا بدائل لها، إلى جانب المستلزمات والمواد الأولية.

أما قانونياً، فيوضح المستشار علي بردقاني أن رفع التصنيف لا يعني انتهاء جميع القيود، لأن بعضها قد يرتبط بأطر قانونية مستقلة تتعلق بمكافحة الإرهاب أو المخدرات أو حقوق الإنسان أو مراقبة الصادرات والتكنولوجيا. وبالتالي تحتاج كل صفقة إلى تدقيق في الأطراف والمنتجات ومصدر الأموال ومسار الدفع.

وهنا تظهر المشكلة الأوسع في المرحلة الجديدة: الحكومة الانتقالية باتت تملك فرصة لتوسيع خيارات القطاع الصحي، لكنها لم تستكمل بعد الأدوات التي تجعل هذه الفرصة واقعاً يومياً. فالوزارة تحصي الأجهزة، والنقابة تطالب بقنوات مصرفية واضحة، والمستشارون يحذرون من بقاء قيود أخرى، فيما يبقى المريض ينتظر النتيجة النهائية.

رفع القيود قد يزيل حاجزاً ثقيلاً، لكنه لا يعالج تلقائياً ضعف منظومة التوريد أو التعقيدات المصرفية والإدارية. والاختبار الحقيقي للحكومة الانتقالية لن يكون في إعلان الاستفادة من القرار، بل في قدرتها على تحويله إلى أدوية متاحة، وأجهزة عائدة إلى الخدمة، وقطع صيانة تصل في وقتها، وكلفة صحية أقل على السوريين.

اقرأ أيضاً: بين النفي الرسمي وواقع “الشراكات”: هل يتجه القطاع الصحي في سوريا نحو الخصخصة؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.