المفاضلة الجامعية في سوريا.. الطالب يختار تخصصه وسط سوق عمل بلا خريطة
لا تبدأ حيرة الطالب السوري مع صدور نتائج المفاضلة الجامعية، بل قبلها بكثير؛ عند اللحظة التي يفتح فيها قائمة الاختصاصات ويكتشف أن عليه أن يختار سنوات دراسته المقبلة من بين معدلات قبول متغيرة، وقدرات محدودة، ورغبات شخصية لا تجد دائماً طريقاً واضحاً إلى سوق العمل.
ومع إعلان مفاضلة العام الدراسي الجديد، تتحول قائمة الرغبات إلى أكثر من إجراء إداري. إنها قرار يضع الطالب بين ما يريد وما يستطيع الوصول إليه، وبين تخصص يحبه وشهادة يأمل أن تمنحه فرصة عمل في بلد لا تزال سوقه تعاني اضطراباً عميقاً، فيما تبدو الإرشادات الرسمية محدودة في مساعدة الطلاب على قراءة مستقبل اختصاصاتهم.
الرغبة تصطدم بالمعدل وسوق العمل
تتباين خيارات الطلاب بين من يدخل المفاضلة بخيار واضح، ومن يترك معدله يقرر عنه. رند نصري وضعت هندسة المعلوماتية في مقدمة رغباتها، بعد أن استعانت بطلاب وخريجين للتعرف إلى طبيعة الدراسة والمهارات التي يتطلبها الاختصاص، خصوصاً أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية لمواكبة سوق العمل في المجالات التقنية.
أما محمد شبول، فيتجه إلى التجارة والاقتصاد، مدفوعاً برغبته وفرص العمل التي يتصور وجودها في هذا المجال، مع إبقاء المعدل عاملاً حاسماً في تحديد ما يمكنه الوصول إليه. وفي حال تعذر خياره الأول، يبحث عن اختصاص قريب من توجهاته.
وتختار سلسبيل الجلم كلية الآداب انطلاقاً من رغبتها، لكنها لا تخفي قلقها من مستقبل الاختصاص وفرص العمل بعد التخرج، وهو قلق بات جزءاً من حسابات الطلاب، لا تفصيلاً يأتي بعد سنوات الدراسة.
هذه التجارب الثلاث تختصر معضلة أوسع: الطالب مطالب باختيار تخصص لم يختبره بعد، والحكم على مستقبله المهني من خلال معلومات محدودة، بينما لا تقدم المؤسسات التعليمية دائماً صورة دقيقة عن المسارات التي تنتظر الخريج.
قائمة رغبات قد تتحول إلى سنوات ضائعة
يرى الاختصاصي التربوي مناف مشهور أن بناء قائمة الرغبات يجب أن يبدأ من مقارنة ميول الطالب وقدراته بمعدلات القبول السابقة، ثم تقسيم الخيارات إلى رغبات طموحة وواقعية وأخرى ذات فرصة قبول أعلى.
لكن المعدلات السابقة لا تقدم ضماناً، إذ تتبدل وفق أعداد الناجحين وتوزيع الدرجات وعدد المقاعد وحجم الإقبال على الاختصاصات. لذلك فإن ترتيب الرغبات بصورة عشوائية قد يقود الطالب إلى اختصاص لم يكن مستعداً لدراسته.
ويحذر مشهور من وضع تخصصات لا يرغب الطالب بها تحت ضغط الأسرة أو الأصدقاء أو الاعتقاد بأنها أكثر طلباً في سوق العمل، داعياً إلى اختبار كل خيار عبر ثلاثة أسئلة: هل أحبه؟ هل يناسب قدراتي؟ وهل أستطيع تصور نفسي أعمل فيه؟
غياب البوصلة يزيد ثقل القرار
لا تكمن المشكلة في المفاضلة وحدها، بل في البيئة التي تجري فيها. فالطالب السوري يدخل الجامعة وهو مطالب بالتفكير في مستقبله المهني، من دون أن يمتلك بالضرورة بيانات كافية عن حاجة السوق، أو المسارات المهنية الفعلية لكل اختصاص، أو فرص العمل المتاحة للخريجين.
ويشير مشهور إلى أهمية معرفة مواد الاختصاص ومدة دراسته والمهارات المطلوبة وفرص العمل بعد التخرج، مع الاستفادة من تجارب الطلاب والخريجين. كما يرى أن تعذر الوصول إلى الاختصاص المرغوب لا يعني نهاية الطريق، إذ يمكن البحث عن تخصصات تتقاطع معه في المعرفة والمهارات.
غير أن تحويل هذه النصائح إلى ممارسة واسعة يحتاج إلى منظومة إرشاد جامعي أكثر حضوراً، وهو جانب لا يزال ضعيفاً في الواقع التعليمي السوري. فترك الطالب ليستكشف مستقبله بالاجتهاد الشخصي، ثم مطالبته بتحمل نتائج اختيار قد يمتد أربع سنوات أو أكثر، يعكس فجوة بين عملية القبول الجامعي وبين التخطيط الحقيقي لمسارات الشباب.
وفي ظل ذلك، تصبح المفاضلة أقرب إلى امتحان جديد للطالب: ليس في قدرته على تحصيل المعدل فقط، بل في قدرته على اتخاذ قرار مصيري وسط معلومات ناقصة ومستقبل مهني ضبابي. وما لم تتحول الجامعات والجهات التعليمية إلى مصدر فعلي للبيانات والإرشاد وربط الاختصاصات باحتياجات الاقتصاد، سيبقى الطالب يختار تخصصه على أمل أن يجد مستقبله بعد التخرج، بدلاً من أن يعرف منذ البداية إلى أين يمكن أن يقوده هذا الاختيار.
اقرأ ايضاً: صدمة مفاضلة.. طلاب المهجر العائدون يصطدمون بجدار القبول الجامعي في سوريا
حساباتنا: فيسبوك تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام