بين النفي الرسمي وواقع “الشراكات”: هل يتجه القطاع الصحي في سوريا نحو الخصخصة؟

يواجه القطاع الصحي في سوريا حالة من الضبابية تثير قلق الشارع، حيث تتصادم الوعود الحكومية بالحفاظ على مجانية العلاج مع إجراءات “خصخصة مقنّعة” بدأت تظهر ملامحها في كبرى المؤسسات الطبية. فبينما تؤكد وزارة الصحة التزامها بالدور الرعوي للدولة، تشير وقائع ميدانية، خاصة في مشفى دمشق لأمراض وجراحة القلب التخصصي، إلى تحولات جذرية في نمط الإدارة والتمويل.

تصريحات متناقضة: طمأنة الشارع أم تمهيد للتحول؟

في منتصف نيسان/أبريل الجاري، نفى وزير الصحة في الحكومة السورية الانتقالية، مصعب العلي، أي نية لطرح المشافي العامة للاستثمار، مؤكداً تكفل الدولة بالعجز المالي. ومع ذلك، حمل تصريحه إشارات اعتبرها مراقبون “تمهيداً للخصخصة”، منها:

  • تفعيل قوانين الأجور: الإشارة إلى القانون رقم 17 لعام 2008 الذي يتيح تقاضي أجور عن بعض الخدمات الطبية.

  • ذريعة الشراكات الدولية: الحديث عن “الشراكات” كضرورة تمويلية في ظل نقص التجهيزات وهجرة الكوادر الطبية.

  • الضغوط الشعبية: جاء النفي الرسمي بعد احتجاجات واسعة، مما جعله يبدو كرد فعل لتهدئة الرأي العام لا كسياسة مستدامة.

مشفى “دمر” للقلب: نموذج لـ “الخصخصة الهادئة”؟

يعتبر مشفى دمشق لأمراض وجراحة القلب في منطقة “دمر” حجر الزاوية في هذا الجدل، حيث رصدت تقارير تغييرات جوهرية شملت:

  1. الإدارة والسيادة: ظهور العلم التركي واللغة التركية على لافتات المشفى، بالتوازي مع قرار إعادة تشكيل مجلس الإدارة واستبعاد كوادر محلية لصالح عناصر غير سورية.

  2. المجانية المؤقتة: تصريحات رسمية سابقة كشفت عن ضمان مجانية العلاج لمدة عامين فقط، مما يطرح تساؤلات وجودية حول مصير المرضى ذوي الدخل المحدود بعد هذه الفترة.

  3. التحول الاستثماري: يرى خبراء، مثل الطبيب علي دياب، أن اختيار المشفى الأكثر تجهيزاً في البلاد لبدء هذه “الشراكة” يعزز فرضية الانتقال من “الحاجة الطبية” إلى “الجدوى الاقتصادية”.

من السيادة الوطنية إلى الأزمة الوجودية

تاريخياً، كان مشفى دمر يمثل قصة نجاح للخبرات السورية، حيث ساهم منذ تأسيسه في عام 2003 في إنهاء قوائم الانتظار الطويلة لعمليات القلب المفتوح.

  • تفكيك البنية التحتية: يرى مهندسون شاركوا في تأسيس القطاع الصحي السوري أن التوجه الحالي يمثل “تفريطاً” ببنية صحية متكاملة أُنشئت أصلاً لسد الفجوة بين قدرة المرضى المادية وحقهم في الحياة.

  • هجرة الكوادر: الأزمة البنيوية الخانقة تدفع الأطباء للهجرة، مما يُستخدم كمبرر لإدخال شركات استثمارية أجنبية لإدارة المرفق العام.

تساؤلات مشروعة حول مستقبل العلاج

يبقى السؤال الأهم الذي يشغل السوريين اليوم: إلى أين يتجه العبء العلاجي؟ إن إعادة صياغة دور الدولة من “مقدم للخدمة” إلى “شريك استثماري” تعني عملياً نقل تكاليف العلاج تدريجياً إلى جيوب المرضى. وبينما تُنفى الخصخصة في الخطابات الرسمية، تبدو الوقائع على الأرض وكأنها تعيد إنتاج الحرمان الطبي الذي أُنشئت مشافي القطاع العام لمواجهته.

إقرأ أيضاً: هل يكشف انتشار الجرب في المشافي السورية تلاقي الإهمال مع الخصخصة؟

إقرأ أيضاً: إسعاف بلا أطباء: فضيحة إهمال طبي في مستشفى الكسرة بدير الزور تُفجر غضب الأهالي

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.