مستحقات القمح في سوريا تتأخر.. الفلاح يدخل الموسم الجديد بلا ثمن محصوله
مع انتهاء موسم حصاد القمح، يجد المزارع السوري نفسه أمام مفارقة قاسية: محصوله سُلّم إلى الجهات الحكومية، لكن ثمنه لم يصل كاملاً، فيما بدأت كلفة الموسم الجديد تطرق بابَه قبل أن يجف غبار الحصاد عن أرضه.
وتحوّل تأخر صرف المستحقات إلى مشكلة تتجاوز مسألة الدفع المتأخر، بعدما باتت السيولة شرطاً لاستمرار دورة الزراعة نفسها. فالمزارع الذي ينتظر ثمن محصوله يحتاج في الوقت ذاته إلى شراء البذار والأسمدة والمحروقات والأدوية، ودفع أجور الحراثة والحصاد والري والعمال، ما يجعل أي تأخير حكومي ينعكس مباشرة على قدرته على العودة إلى أرضه.
وبحسب تقديرات الموسم، بلغ إنتاج القمح نحو 2.7 مليون طن، بسعر شراء قدره 46 ألف ليرة للطن، يضاف إليه 9 آلاف ليرة كمكافأة تشجيعية، لتصل القيمة الإجمالية للمحصول إلى نحو 148.5 مليار ليرة.
ربع المستحقات فقط.. والسيولة هي المشكلة
يقول مزارعون من ريف دير الزور إن عمليات الاستلام والصرف تسير ببطء، بينما تتراكم الالتزامات عليهم. ويشير المزارع عبدالله الريس إلى أن اقتطاع الديون والرسوم من المستحقات قبل تسلمها يزيد الضغط المالي، محذراً من أن استمرار التأخير قد يدفع بعض المزارعين إلى الاستدانة أو تقليص المساحات المزروعة.
ويؤكد إبراهيم العبدالله أن الكلفة الفعلية للإنتاج لا تتطابق مع التقديرات الرسمية، إذ تشمل سلسلة طويلة من النفقات تبدأ بالبذار والحراثة ولا تنتهي عند الأسمدة والأدوية والحصاد والري والنقل.
وتزداد الصورة قتامة مع تفاوت وتيرة الدفع. ففي دير الزور، حصل أكثر من 50% من مزارعي الإكثار على مستحقاتهم، مقابل نحو 20% فقط من المزارعين العاديين، وفق رئيس جمعية فلاحية في المحافظة حسين الفياض.
أما تعميم المصرف الزراعي التعاوني للموسم 2025-2026، فينص على صرف 25% من المستحقات بسبب عدم توافر السيولة النقدية، على أن تُصرف النسبة المتبقية لاحقاً وفق آلية المصرف، مع إمكانية خفض الدفعة الأولى عند الحاجة.
ملايين الأطنان.. وبيانات لا تكفي
تظهر بيانات المؤسسة السورية للحبوب أن مشتريات القمح بلغت حتى 18 آب 2026 نحو 2.728 مليون طن، فيما بقي من محصول موسم 2025 نحو 374 ألف طن.
ورغم ضخامة هذه الأرقام، لم تتمكن الصحيفة من الحصول على بيانات مالية نهائية حول قيمة المستحقات المصروفة والمتبقية أو موعد استكمال الدفع. فالمصرف الزراعي أحال طلب المعلومات إلى المكتب الصحفي في وزارة المالية، وبعد الحصول على موافقة شفهية، طُلبت موافقة خطية، لتنتهي المحاولة من دون أرقام رسمية.
وهنا لا تعود المشكلة مجرد نقص في السيولة، بل تتحول إلى خلل في إدارة الملف نفسه. فالحكومة الانتقالية التي تعرف مسبقاً حجم المحصول وكلفة الموسم الزراعي المقبل، يفترض أن تكون قد أعدت التمويل وجدول الدفع قبل وصول المزارع إلى هذه النقطة، لا أن تتركه عالقاً بين المصرف والوزارة والجهات التسويقية.
موسم جديد ينتظر أموال موسم انتهى
ترى المتخصصة في شؤون النقد والمال مادلين حاج خليل أن انتظام الدفع جزء من استقرار الدورة الزراعية، لأن المزارع يعتمد على عائد محصوله في تمويل الموسم التالي. وتدعو إلى جدول زمني معلن للصرف، ومنهجية واقعية لاحتساب تكاليف الإنتاج، وتنسيق مسبق بين الجهات الزراعية والمالية والمصرف الزراعي.
لكن استمرار التأخير يضع زراعة القمح أمام معادلة غير مستقرة: الدولة تطلب من المزارع الحفاظ على الإنتاج والأمن الغذائي، بينما لا تضمن وصول عائد محصوله في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تمويل أرضه مجدداً.
وبين موسم انتهى وآخر يوشك أن يبدأ، تبدو المشكلة أكبر من فاتورة متأخرة؛ إنها فجوة في إدارة الدورة الزراعية، يدفع المزارع ثمنها من قدرته على الاستمرار، وقد يدفع الإنتاج السوري ثمنها لاحقاً بتراجع المساحات المزروعة وارتفاع كلفة تأمين الغذاء.
اقرأ أيضاً: شح السيولة يؤخر مستحقات القمح.. مزارعون يتحفظون على صرف 25% عبر “شام كاش”