الدروس الخصوصية في دمشق تستنزف الأسر.. التعليم الحكومي يعجز عن تأمين التحصيل الدراسي

تدفع عائلات في دمشق مبالغ متزايدة لضمان حصول أبنائها على تعليم كافٍ، بعدما باتت ساعات الدوام المدرسي وحدها غير كافية، وفق شكاوى الأهالي، لمواكبة المناهج وتحقيق النتائج المطلوبة. وتحولت الدروس الخصوصية إلى نفقات إضافية يصعب على كثير من الأسر الاستغناء عنها، خصوصاً في صفوف الشهادات العامة، في مشهد يكشف اتساع الفجوة بين التعليم الذي يفترض أن توفره المدارس الحكومية مجاناً، والواقع الذي يضطر الأهالي إلى شراء استكماله من جيوبهم.

ولا تنحصر المشكلة في رغبة بعض الطلاب بتحسين علاماتهم؛ إذ ترتبط، وفق مختصين وأهالٍ، بنقص الكوادر التعليمية المؤهلة، وضعف أداء بعض المدرسين، وتأخر استكمال الشواغر في المدارس، فضلاً عن تراجع قدرة المعلمين على الاكتفاء برواتبهم.

التعليم الإضافي يتحول إلى عبء إلزامي

تقول فاطمة عبيد، المختصة التعليمية ومديرة مدرسة في ريف دمشق، إن تدني مستوى بعض الطلاب وضعف أداء بعض المعلمين، إلى جانب انشغال الأهالي، تدفع الأسر إلى طلب المساعدة خارج المدرسة. وترى أن الدروس الخصوصية أصبحت ضرورة لدى كثير من طلاب التاسع والبكالوريا، في ظل نقص الكوادر المؤهلة وانتقال معلمين أكفاء إلى المعاهد الخاصة بحثاً عن مردود أفضل.

وتتراوح تكلفة الجلسة الخصوصية للمرحلة الابتدائية في دمشق بين 25 و50 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة، فيما قد تتجاوز 160 ألف ليرة لطلاب الثانوية العامة في مواد كالرياضيات والفيزياء. ومع تعدد المواد وحاجة بعض الطلاب إلى أكثر من مدرس، تتحول متابعة التحصيل الدراسي إلى بند ثقيل في ميزانية الأسرة.

وتقول أم أحمد، والدة طالب في البكالوريا، إنها لا تستطيع متابعة دروس أبنائها بنفسها، وإن تأخر استكمال الكادر التدريسي في مدرسة ابنها، ثم عدم رضاها عن مستوى التدريس بعد ذلك، دفعها إلى الاعتماد على المدرسين الخصوصيين. وتضيف أنها تتحمل هذه النفقات أملاً في تحقيق ابنها حلم والده بأن يصبح طبيباً، رغم ما تفرضه من ضغط مالي.

المعلم بين راتب لا يكفي ودروس أكثر ربحاً

لا تنفصل أزمة الدروس الخصوصية عن الأوضاع المعيشية للمعلمين. وتقول راما قاسم، وهي معلمة خصوصية، إن هذا العمل يمنحها دخلاً أفضل ومرونة أكبر في تنظيم وقتها مقارنة بالمدرسة الحكومية، حيث يمتد الدوام لساعات طويلة مقابل راتب لا يتناسب مع الجهد.

وبحسب مصادر أهلية يبلغ راتب بعض المعلمين المثبتين نحو مليونين و600 ألف ليرة قديمة، مقابل مليون ومئتي ألف لبعض الوكلاء. ويضع هذا الفارق المعلم أمام معادلة قاسية: الالتزام بوظيفة حكومية محدودة الدخل، أو التوجه إلى سوق الدروس الخاصة الأكثر مردوداً.

وزارة التربية أمام مسؤولية لا تعالجها التعاميم

توصي عبيد بزيادة الرواتب وتقديم الحوافز، وتأمين موجهين اختصاصيين لتطوير أداء المعلمين، إلى جانب تنظيم حصص تقوية بعد الدوام بأسعار منخفضة. وهي حلول تضع جوهر المشكلة أمام وزارة التربية: لا يمكن مطالبة المدارس بأداء أفضل من دون كوادر كافية وأجور تحفظ استقرار المعلمين وبرامج متابعة فعلية.

كما تثير ممارسة الدروس الخصوصية أسئلة حول الرقابة والتنظيم، خصوصاً أن تصريحاً لمدير التعليم الخاص في الوزارة عام 2018 اعتبر تدريس ثلاثة طلاب أو أكثر في مكان غير مرخص مخالفة تستوجب الغرامة والإغلاق. لكن ضبط أماكن التدريس لا يعالج أسباب انتشارها؛ فالمشكلة تبدأ داخل المدرسة، حين تعجز عن تقديم المستوى الذي يدفع الأهالي مقابله رسوماً إضافية.

وبذلك تتحمل الأسرة كلفة قصور لم تصنعه وحدها: تدفع الضرائب والنفقات العامة، ثم تضطر إلى دفع مبالغ أخرى كي يحصل أبناؤها على تعليم يفترض أن يكون متاحاً داخل الصفوف الحكومية.

 

اقرأ أيضاً: التعليم في سوريا: 16% من الأسر لديها أطفال خارج المدارس

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.