الطرق الدولية في سوريا.. سنوات من الإهمال و670 مليون دولار بلا ضمانات تنفيذ واضحة
تبدو الطرق الدولية في سوريا شاهداً يومياً على سنوات من الإهمال الحكومي، بعدما تحولت الحفر والتشققات الإسفلتية والتحويلات المتضررة إلى مشاهد مألوفة على محاور يفترض أنها شرايين رئيسية لحركة المسافرين والبضائع. وفي الوقت الذي تتحدث فيه وزارة النقل عن استثمارات بمئات ملايين الدولارات لإعادة تأهيل هذه الشبكة، لا تزال تفاصيل التنفيذ والتمويل والرقابة غامضة، فيما يدفع المواطنون كلفة تدهور البنية التحتية من سلامتهم ووقتهم وأموالهم.
عند عقدة سراقب، التي تربط طريقي دمشق–حلب واللاذقية–حلب، تتجلى مظاهر التدهور في غياب بعض عناصر السلامة المرورية، وتضرر التحويلات وانتشار الحفر والمطبات، فضلاً عن ضعف خدمات الاتصالات والإنترنت. ولا يبدو الطريقان الدوليان M4 وM5 أفضل حالاً؛ إذ يعاني مقطع سراقب–مورك أضراراً وتشققات تجعل التنقل عليهما تحدياً يومياً، في ظل غياب صيانة دورية كافية.
وعود بمئات الملايين.. والتنفيذ مؤجل
أعلنت وزارة النقل رسو عقود تأهيل محاور دمشق–حمص وحمص–حلب ووصلة سراقب–إدلب على تحالف يضم شركتي “لوبار التجارية” السورية و”هندسة الجابر” القطرية، مع حديث عن استكمال الإجراءات التعاقدية خلال الأسابيع المقبلة. كما أعلن وزير النقل يعرب بدر تخصيص نحو 670 مليون دولار من الموازنة الحكومية لتأهيل أجزاء من شبكة الطرق المركزية.
لكن الإعلان عن المخصصات والعطاءات لا يجيب وحده عن الأسئلة الأساسية: متى تبدأ الأعمال فعلياً؟ وما المقاطع التي ستُنجز أولاً؟ وما الجهة التي ستراقب جودة التنفيذ والإنفاق؟ فالحكومة التي تركت طرقاً استراتيجية تتدهور سنوات مطالبة بتقديم جدول زمني معلن، وآلية رقابة تتيح للرأي العام متابعة ما يُصرف وما يُنجز، بدلاً من الاكتفاء بتصريحات عن ورشة هندسية واسعة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
ويزيد غياب التفاصيل من المخاوف، خصوصاً مع إشارة مصدر في وزارة النقل إلى أن الاتفاق مع شركة “لوبار” يتعلق بمذكرة تفاهم لتأهيل طريق دمشق–حلب، في حين تحدثت الوزارة عن رسو عقود. وهذا التباين في توصيف المرحلة التعاقدية يستدعي توضيحاً رسمياً، لأن مذكرة التفاهم لا تعني بالضرورة عقداً نافذاً أو مشروعاً دخل حيز التنفيذ.
استثمار بلا شفافية كافية
يرى الخبير الاقتصادي علي محمد أن شبكة الطرق العامة، التي يبلغ طولها نحو 45 ألف كيلومتر، تحتاج إلى استثمارات واسعة، ولا سيما المحاور الرابطة بين الأردن والساحل وتركيا والعراق. ويشير إلى أن تأهيلها قد يخفض تكاليف النقل والشحن والحوادث، ويعيد تنشيط دور سوريا في حركة الترانزيت، لكنه يحذر من صعوبة التمويل واستدامة الصيانة.
في المقابل، يلفت الخبير الاقتصادي محمد علبي إلى غياب رؤية معلنة لطبيعة هذه الاستثمارات، متسائلاً عما إذا كانت الطرق ستبقى عامة أم ستتحول إلى طرق مأجورة، مع احتمال توفير مسارات مجانية موازية. ويطرح ذلك قضية لا يجوز تركها لتكهنات الخبراء: هل ستتحمل الخزينة كلفة التأهيل، أم سيدفع مستخدمو الطرق لاحقاً رسوماً لاسترداد الاستثمارات؟
من يحاسب على سنوات الإهمال؟
لا تقدم التصريحات الحكومية حتى الآن صورة متكاملة عن أولويات التأهيل، وكلف كل مقطع، وشروط العقود، ومعايير اختيار الشركات، وآليات منع تضارب المصالح. وفي مشاريع بهذا الحجم، لا يُعد نشر هذه المعلومات تفصيلاً إدارياً؛ بل شرطاً أساسياً لحماية المال العام ومنع المحاباة والتجاوزات.
وتزداد أهمية الرقابة في ظل سجل طويل من تراجع الصيانة وغياب المعالجة الوقائية، إذ لا يكفي إصلاح الطرق اليوم إذا كانت الحكومة ستتركها مجدداً حتى تتآكل. فالمشكلة لا تختصرها كلفة الإسفلت، وإنما تكشفها سنوات من سوء التخطيط وضعف المتابعة، فيما لا تزال سلامة مستخدمي الطرق رهينة وعود تنتظر أن تتحول إلى أعمال ملموسة.
اقرأ ايضاً: سوريا تستعد لتأهيل 463 كيلومتراً من الطرق المركزية بكلفة تقارب 199 مليون دولار