أزمة الدواء في القامشلي.. أسعار متصاعدة وتوريد مضطرب ورقابة حكومية غائبة

تتحول رحلة الحصول على الدواء في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة إلى عبء مالي ولوجستي متزايد، مع صعوبة تأمين بعض الأصناف وارتفاع تكاليف العلاج واضطراب آليات التسعير والتوريد. وفي سوق يفترض أن يخضع لرقابة صحية صارمة، يجد المرضى والصيادلة أنفسهم أمام قوائم أسعار متداولة عبر مندوبي الشركات ومجموعات “واتساب”، فيما لا تبدو الإجراءات الحكومية المعلنة كافية لضبط السوق أو ضمان استقرار الإمدادات.

ولا تقف الأزمة عند حدود ارتفاع الأسعار؛ إذ تتداخل معها صعوبات نقل الأدوية وتسديد قيم الطلبيات واختلاف العملات المستخدمة في التعاملات، بينما يدفع المرضى ثمن هذه الاختلالات من قدرتهم على مواصلة العلاج، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة.

تسعير مضطرب ومرضى أمام خيارات قاسية

يقول صيدلاني في القامشلي، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن أسعار الأدوية لم تعد تصله عبر نشرات رسمية موحدة، وإنما من الشركات ومندوبيها أو مجموعات على “واتساب”، مؤكداً أنه لم يلحظ انخفاضاً في الأسعار خلال الفترة الأخيرة، بل سجلت بعض الأصناف زيادات جديدة.

وتكشف هذه الشهادة خللاً في وصول المعلومات إلى الصيدليات، وتفتح أسئلة عن مدى التزام الشركات بالتسعيرة الرسمية وآليات مراقبة تداول الأسعار. فحين تصبح مجموعات المراسلة مصدراً عملياً لتحديث الأسعار، يغدو من الصعب على المستهلك معرفة السعر المعتمد والجهة المسؤولة عن أي تجاوز.

وتظهر التداعيات بوضوح في حالة عبدالله محمد، المسن من ريف الجوادية، الذي يحتاج إلى أدوية لعلاج آثار جلطة دماغية والسكري وارتفاع ضغط الدم، بكلفة شهرية تتجاوز 150 ألف ليرة سورية. ويقول إن وضعه المادي يدفعه إلى التفكير في الاستغناء عن بعض الأدوية، رغم المخاطر الصحية المترتبة على ذلك، فضلاً عن نفقات التحاليل والمراجعات الطبية.

تعقيدات التوريد واتهامات تستدعي التحقيق

تعتمد القامشلي جزئياً على معامل ومستودعات في دمشق وحلب، ما يجعل النقل وتسديد قيمة الطلبيات عاملين أساسيين في انتظام وصول الأدوية. وتواجه المستودعات صعوبات في تحويل الأموال، إذ تتلقى من الصيدليات مبالغ بالعملة السورية القديمة، بينما تطلب بعض الشركات تسديد مستحقاتها بالعملة الجديدة.

وتتداول أوساط في القطاع اتهامات بفرض مبالغ إضافية على الشحنات، أو ربط بيع الأصناف المطلوبة بشراء أدوية أقل طلباً. وهي ممارسات، إن ثبتت، تكشف ثغرات رقابية تتيح استغلال حاجة السوق، وتستوجب تحقيقاً من الجهات المختصة، لا الاكتفاء بالتعاميم.

وكان اتحاد الصيادلة في الحسكة قد أعلن في آذار 2026 إلغاء نسبة خمسة بالمئة كانت تضاف إلى أرباح المستودعات تحت بند أجور الشحن، مستنداً إلى تحسن حركة النقل. لكن لا تتوافر في المادة بيانات تثبت انعكاس القرار فعلياً على الأسعار أو توافر الأدوية.

خريجون خارج السوق ورقابة بلا نتائج واضحة

ولا تقتصر الأزمة على المرضى؛ فالصيدلانية جيان العلي، المتخرجة منذ عام 2021، لم تتمكن من افتتاح صيدليتها بسبب تكاليف الإيجار وتأمين المخزون والكهرباء والتبريد ونفقات التشغيل. وهكذا تتحول ممارسة المهنة إلى مشروع يحتاج رأس مال يصعب على بعض الخريجين توفيره.

ورغم تأكيد نقابة الصيادلة في نيسان 2026 أن نشرات الأسعار المتداولة على وسائل التواصل غير رسمية، وإعلان وزارة الصحة في تموز تكثيف التفتيش على المكاتب العلمية والصيدليات، لا توضح البيانات المتاحة مدى وصول النشرات المعتمدة إلى الحسكة، ولا نتائج الجولات الرقابية أو المخالفات المسجلة.

المشكلة أن الحكومة تطلب من الصيادلة الالتزام بتسعيرات لا تتضح آليات تعميمها ومراقبتها محلياً، فيما يظل المريض الحلقة الأضعف في سوق مضطرب. ومن دون نشر الأسعار المعتمدة، ومراقبة التوريد وهوامش الربح، والتحقيق في شكاوى التلاعب، ستبقى الرقابة أقرب إلى تصريحات إدارية منها إلى حماية فعلية لحق المرضى في الحصول على العلاج.

 

اقرأ ايضاً: أزمة الأمراض المزمنة في سوريا: شح الدواء وارتفاع التكاليف

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.