صحة الأمهات والأطفال في سوريا تحت ضغط الحرب.. نقص الرعاية يفاقم المخاطر
أثرت أكثر من 14 عاماً من الحرب في سوريا على قدرة القطاع الصحي على توفير الرعاية اللازمة للنساء الحوامل وحديثي الولادة، في ظل تضرر مرافق طبية ونقص الكوادر والمستلزمات، بالتزامن مع النزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي. ويقول مختصون إن هذه العوامل المتداخلة جعلت الوصول إلى متابعة الحمل والولادة الآمنة ورعاية المواليد، خصوصاً في المناطق النائية، أكثر صعوبة.
ولم تقتصر تداعيات الحرب السورية على الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالمدن والبنية التحتية، إذ امتدت آثارها إلى الخدمات الأساسية، وكان القطاع الصحي من أكثر القطاعات تأثراً خلال سنوات الصراع، نتيجة تضرر مرافق صحية وخروج بعضها عن الخدمة، إلى جانب نقص الأدوية والمستلزمات والكوادر المتخصصة.
وتنعكس هذه الظروف بصورة مباشرة على النساء خلال الحمل والولادة، وهي مراحل تتطلب متابعة طبية منتظمة وفحوصاً دورية وإمكانية الوصول السريع إلى خدمات متخصصة عند حدوث مضاعفات.
ويزيد النزوح، سواء المستمر أو المتكرر، من صعوبة انتظام النساء في الحصول على الرعاية الطبية، بينما تحد الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أسر كثيرة من قدرتها على تحمل تكاليف التنقل والفحوص والأدوية. كما يمكن أن يؤدي نقص الغذاء وسوء التغذية إلى مضاعفات تؤثر في صحة الأم ونمو الجنين.
خدمات صحية متفاوتة بين المناطق
أدى تضرر المرافق الصحية ونقص التجهيزات والكوادر إلى زيادة الضغط على المنشآت التي لا تزال تعمل، ولا سيما أقسام النسائية والتوليد والحضانات ووحدات العناية بحديثي الولادة.
وتصبح هذه الفجوة أكثر حساسية خلال الولادة وما بعدها، خصوصاً عندما تحتاج الأم إلى تدخل طبي عاجل أو عندما يولد الطفل قبل أوانه أو يعاني من مشكلات تستدعي رعاية متخصصة ومراقبة مستمرة.
كما تختلف إمكانية الوصول إلى هذه الخدمات بين المناطق السورية، إذ تواجه النساء في بعض المناطق الريفية والنائية صعوبات أكبر في الوصول إلى مستشفيات مجهزة، فيما تؤثر عوامل أخرى، بينها الوضع الأمني والقدرة الاقتصادية والمسافة الجغرافية، في إمكانية الحصول على الرعاية المطلوبة في الوقت المناسب.
تراجع الخدمات يضاعف المخاطر
يقول الدكتور عزيز موسى، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والأمنية، لموقع”963+” إن الحرب خلفت آثاراً واسعة على المنظومة الصحية نتيجة اجتماع عدة عوامل، بينها النزوح والتهجير وفقدان مصادر الدخل وتفكك الأسر وانعدام الأمن الغذائي، إلى جانب تراجع الخدمات الصحية ونقص الكوادر وإغلاق وتدمير عدد من المشافي والمراكز الطبية.
ويشير موسى إلى أن منظمة الصحة العالمية أعلنت منذ مطلع عام 2025 أن نحو 15 مليون شخص في سوريا يعانون من نقص في الخدمات الصحية، موضحاً أن نحو 55% فقط من المستشفيات والمراكز الصحية ما زالت تعمل، في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصحية.
ويرى أن أوضاع النزوح والفقر وانخفاض دخل الأسر تؤثر في صحة الأمهات، نتيجة صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية وتراجع القدرة على توفير بيئة صحية مناسبة، وهو ما ينعكس بدوره على صحة الأجنة وحديثي الولادة.
لكن موسى يحذر في الوقت نفسه من صعوبة تحديد الحجم الحقيقي لبعض المؤشرات الصحية، موضحاً أن ظروف الحرب والنزوح تؤدي إلى ضعف التسجيل والتبليغ، خصوصاً في المناطق المتضررة من العمليات العسكرية، وبالتالي فإن الأرقام المتاحة بشأن الولادات والأمراض والوفيات قد لا تعكس بصورة كاملة واقع الخدمات الصحية أو حجم المشكلة.
وبحسب موسى، تتمتع المدن الكبرى نسبياً بشبكة أفضل من خدمات الرعاية التوليدية، بينما تواجه مناطق أخرى نقصاً في الخدمات الأساسية وضعفاً في انتشار المراكز الصحية، إضافة إلى محدودية خدمات الرعاية التوليدية الطارئة، ولا سيما في مناطق الشمال والشمال الشرقي من البلاد.
ويشير إلى أن تأخر وصول النساء إلى منشأة صحية مؤهلة يجعل بعض مضاعفات الحمل والولادة، مثل النزيف بعد الولادة وبعض الأمراض المرتبطة بصحة الأم والطفل، أكثر خطورة، إذ يمكن أن يؤدي تأخر التدخل الطبي في الحالات الطارئة إلى تهديد حياة الأم أو المولود.
ولا تقتصر التداعيات على فترة الحمل والولادة، وفق موسى، إذ شهدت السنوات الماضية حالات مرتبطة بسوء التغذية وضعف النمو والهزال منذ المراحل الأولى من حياة الأطفال، إلى جانب أمراض أخرى مرافقة، الأمر الذي يزيد العبء على الأسر والمنشآت الصحية.
ويعتبر أن تدهور صحة الأطفال لا يمثل تحدياً طبياً فحسب، بل يفرض أيضاً أعباء اجتماعية واقتصادية على الأسر والمؤسسات، ويؤثر في الصحة العامة والاستقرار السكاني.
آثار تمتد إلى ما بعد الولادة
وفي ما يتعلق بصحة الأمهات والأجنة وحديثي الولادة، يقول موسى إن نقص الرعاية الصحية قد يدفع بعض النساء، في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات، إلى الاعتماد على أساليب ولادة ورعاية أقل أماناً، بما يرفع احتمالات حدوث مضاعفات خلال الحمل والولادة وما بعدهما.
كما أن تضرر البنية التحتية الصحية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر، يضع حديثي الولادة في ظروف أكثر هشاشة، ويزيد مخاطر الأمراض المرتبطة بالولادة والمراحل الأولى من العمر.
ويلفت موسى إلى ارتفاع معدلات فقر الدم وسوء التغذية بين النساء الحوامل، معتبراً أن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية يمكن أن تتحول إلى مخاطر صحية مباشرة على الأم والجنين.
ويشير إلى أن آثار هذه المشكلات قد تستمر لسنوات، موضحاً أن فقدان الأسرة لمعيلها أو ولادة طفل بإعاقة نتيجة نقص الأكسجين خلال ولادة متعثرة في ظل عدم توفر الكادر الطبي المؤهل، يمكن أن يحول الحالة الصحية إلى عبء اجتماعي واقتصادي طويل الأمد على الأسرة والمجتمع المحلي.
ويرى موسى أن تأثير نقص الخدمات والكوادر الطبية لا يزال قائماً نتيجة حجم الضرر الذي أصاب القطاع الصحي، وأن إعادة تأهيل هذا القطاع تتطلب برامج دولية وشراكات متعددة لإعادة بناء المؤسسات والمرافق الصحية.
ويضيف أن استمرار مشكلات التغذية والأمراض، بالتزامن مع تقليص الدعم المقدم للمشافي والأدوية والكوادر الطبية، يعكس هشاشة منظومة الأمن الصحي في سوريا. كما يشير إلى تحذير وكالات الأمم المتحدة، في تقرير صدر في نيسان/أبريل 2025، من تأثير خفض التمويل على الجهود الرامية إلى تقليل وفيات الأمهات عالمياً.
ويؤكد موسى أن صحة الأم والوليد لا يمكن فصلها عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة، إذ تتداخل عوامل الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي وغياب الحماية الاجتماعية للأسر النازحة مع هجرة الكوادر والكفاءات، لتؤثر مجتمعة في صحة الأمهات والأطفال.
ويشير إلى أن مناطق عدة، خصوصاً الأرياف ومناطق الشمال وشرق سوريا، ما تزال تواجه نقصاً في الكوادر والخدمات المتخصصة لحديثي الولادة، معتبراً أن تحسين خدمات صحة الأم والطفل يمثل جزءاً أساسياً من معالجة آثار الحرب وتعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للاحتياجات المستقبلية.
الولادة في ظل نقص الحضانات والكوادر
من جهته، يقول سعيد الزغبي، دكتور العلوم السياسية في جامعة قناة السويس، إن آثار الحرب السورية تجاوزت الخسائر والدمار المباشر لتصل إلى جوانب اجتماعية وصحية، وفي مقدمتها صحة الأمهات والأطفال وحديثي الولادة.
ويعتبر الزغبي أن سنوات الحرب استنزفت المنظومة الصحية، وجعلت الحمل والولادة أكثر خطورة بسبب تداخل النزوح والفقر وتراجع البنية التحتية الطبية ونقص الخدمات والكوادر المتخصصة.
ويشير إلى أن تضرر عدد كبير من المنشآت الصحية وخروج بعضها عن الخدمة حرم ملايين النساء من خدمات الرعاية السابقة للولادة، ما رفع مخاطر مضاعفات كان يمكن الوقاية منها أو علاجها، ومن بينها النزيف وتسمم الحمل.
كما يلفت إلى تأثير الضغوط النفسية والصدمات الناتجة عن الحرب والنزوح في النساء الحوامل، مشيراً إلى إمكانية انعكاس هذه الظروف على صحة الحمل وارتفاع مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد.
أما حديثو الولادة، ولا سيما الأطفال الخدج وذوو الأوزان المنخفضة، فيواجهون مخاطر إضافية، وفق الزغبي، بسبب نقص الحضانات والمعدات والأدوية والكوادر المتخصصة.
ويؤكد أن رعاية هذه الحالات تحتاج إلى منظومة متكاملة تتضمن توفير الكهرباء بصورة مستمرة، إلى جانب الأدوية والمستلزمات الطبية ونظام فعال لإحالة الحالات التي تحتاج إلى تدخلات طارئة.
النزوح والفقر يحددان فرص الحصول على العلاج
ويشير الزغبي إلى تفاوت الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية بين المناطق السورية، بما يشمل تنظيم الأسرة ومتابعة الحمل والرعاية بعد الولادة، الأمر الذي يزيد الفجوة بين الأسر التي تستطيع تحمل تكاليف العلاج وتلك التي تعتمد على الخدمات الحكومية أو الإنسانية.
ولا تقتصر النتائج، بحسب الزغبي، على الجانب الصحي المباشر، إذ يمكن أن يؤدي مرض الأم أو إصابة الطفل بمضاعفات أو إعاقة إلى أعباء اقتصادية طويلة الأمد، وقد يضطر أحد الوالدين إلى ترك العمل لتوفير الرعاية.
ويصف هذا الوضع بأنه دائرة من “الفقر الصحي”، حيث يمكن للفقر أن يؤدي إلى تدهور الصحة، فيما يؤدي تدهور الحالة الصحية بدوره إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على الأسرة.
ويضيف أن النزوح ساهم في خلق تفاوت جغرافي في الحصول على الخدمات، إذ قد تتمكن بعض النساء في المناطق النائية من الوصول إلى مراكز تقدم خدمات محدودة، لكنهن يواجهن صعوبة في الانتقال إلى مستشفيات مجهزة عندما تستدعي الحالة إجراء عملية قيصرية أو تدخلاً طبياً عاجلاً.
وبذلك تصبح المسافة وتكاليف النقل، إلى جانب توفر المنشآت الطبية، عوامل يمكن أن تؤثر في سلامة الأم والطفل.
ورغم جهود المنظمات الإنسانية والعاملين في المجال الطبي، يرى الزغبي أن نقص الأطباء الاختصاصيين والقابلات وكوادر التمريض، نتيجة الهجرة والنزوح، لا يزال يحد من قدرة النظام الصحي على توفير رعاية شاملة وآمنة، خصوصاً في المناطق النائية.
ويشدد على أن تحسين صحة الأمهات والأطفال يتطلب معالجة العوامل المرتبطة بها، وفي مقدمتها الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي وضعف الحماية الاجتماعية، بالتوازي مع إعادة بناء القطاع الصحي.
ويرى أن إعادة بناء سوريا يجب أن تشمل إعادة بناء منظومة صحية قادرة على توفير خدمات الحمل والولادة الآمنين، إلى جانب التطعيم والتغذية والرعاية النفسية.
وتبقى صحة الأم والطفل، وفق الزغبي، أحد المؤشرات على قدرة سوريا على تجاوز آثار الحرب، فيما يمثل إصلاح القطاع الصحي وإعادة تأهيله عاملاً أساسياً في الانتقال من مرحلة الاستجابة للاحتياجات الأساسية إلى مرحلة التعافي.
اقرأ أيضاً:ارتفاع الأسعار في سوريا يعمق الضغوط المعيشية ويقيد الاستثمار
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز