ارتفاع الأسعار في سوريا يعمق الضغوط المعيشية ويقيد الاستثمار

لا تزال موجات ارتفاع الأسعار المتلاحقة تلقي بظلالها على الأسواق السورية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحديات متزايدة تتمثل في تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، واستمرار الضغوط على سعر صرف الليرة، ما يجعل التضخم أحد أبرز العوائق أمام تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام.

ورغم اختلاف التقديرات حول مستوى التضخم، يجمع خبراء اقتصاديون على أن ارتفاع الأسعار لم يعد ظاهرة مؤقتة، بل تحول إلى حالة مستمرة تؤثر في مختلف القطاعات الاقتصادية، من الإنتاج والاستثمار إلى النشاط المصرفي ومستوى معيشة المواطنين، في ظل غياب بيانات رسمية دورية تقيس معدلات التضخم.

غياب المؤشرات الرسمية يزيد صعوبة التقييم

يشير خبراء إلى أن توقف مصرف سوريا المركزي عن إصدار بيانات رسمية منتظمة بشأن التضخم منذ أكثر من عام يجعل من الصعب تحديد معدلات شهرية دقيقة، الأمر الذي يدفع الباحثين إلى الاستناد إلى مؤشرات تصدرها مراكز بحثية ومنظمات دولية.

وقال المستشار الأول لدى مؤسسة “كرم شعار للاستشارات”، بنجامين فيف، إن المؤشرات المتاحة تؤكد استمرار التضخم، مع تفاوت بين القطاعات المختلفة، موضحًا أن تقديرات المركز السوري للبحوث والسياسات أظهرت ارتفاع الأسعار بنحو 10% خلال الربع الأول من عام 2026.

وأضاف، أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال الفترة نفسها بنسبة 13%، بينما زادت أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز بنحو 11%.

كما لفت إلى أن بيانات برنامج الأغذية العالمي أظهرت استقرارًا نسبيًا في تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق بين شهري نيسان وأيار، إلا أنها بقيت أعلى بنسبة 19% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

وأوضح فيف أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تمثل بديلاً كاملاً عن بيانات رسمية شاملة، نتيجة اختلاف منهجيات القياس بين الجهات، إضافة إلى تفاوت الأسعار بين المحافظات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، ووجود أكثر من سعر صرف في السوق.

من جهته، قدر الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي مجدي الجاموس معدل التضخم السنوي في سوريا بما يتراوح بين 27 و35%، معتبراً أن هذه النسب تعكس تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية بصورة مستمرة.

عوامل داخلية وخارجية وراء ارتفاع الأسعار

ويرى خبراء أن استمرار التضخم في سوريا يعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، تشمل التطورات الاقتصادية العالمية، إلى جانب عوامل محلية تتعلق بالإنتاج والسياسات الاقتصادية وسعر الصرف.

وأوضح مجدي الجاموس أن التضخم يرتبط من جهة بارتفاع الأسعار عالميًا نتيجة الأزمات الدولية وزيادة تكاليف الطاقة، ومن جهة أخرى بالسياسات النقدية المحلية التي أضعفت دور الليرة السورية في عمليات التسعير والتبادل، إضافة إلى رفع أسعار الكهرباء والطاقة والخدمات، وهو ما انعكس على مستويات الأسعار في مختلف القطاعات.

بدوره، اعتبر بنجامين فيف أن الاقتصاد السوري يتأثر بشكل كبير بما يعرف بـ”التضخم المستورد”، نتيجة اعتماد البلاد على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها من الغذاء والوقود والآلات ومدخلات الإنتاج، ما يجعل أي زيادة في أسعار الشحن أو الطاقة العالمية تنتقل سريعًا إلى الأسواق المحلية.

وأشار إلى أن تراجع قيمة الليرة السورية في السوق الموازية، والعجز التجاري، وضعف الإنتاج المحلي، إضافة إلى المشكلات المرتبطة بالكهرباء والوقود والنقل، تشكل عوامل إضافية تدفع الأسعار نحو الارتفاع.

وأضاف أن رفع أسعار الطاقة أو تقليص الدعم الحكومي يؤدي إلى زيادة مباشرة في تكاليف الإنتاج والنقل، قبل أن تمتد آثاره إلى قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات.

وفي ما يتعلق بالسياسات المالية، أوضح فيف أن زيادة الرواتب لا تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع التضخم إذا كانت ممولة بصورة مستدامة، لكنه حذر من تمويل الإنفاق الحكومي عبر إصدار النقد، لما يتركه ذلك من آثار تضخمية إضافية.

أما الجاموس، فرأى أن الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية تعد من أبرز مسببات التضخم، إذ تدفع التجار والأفراد إلى التسعير وفق أسعار السوق السوداء لتجنب الخسائر، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات.

كما أشار إلى أن الرسوم المفروضة على بعض المستوردات، وضعف الاستثمار والإنتاج المحلي، وغياب السياسات المشجعة للمستثمرين، عوامل تدفع نحو توسع استخدام العملات الأجنبية في التعاملات اليومية، وهو ما يضعف مكانة الليرة السورية ويزيد الضغوط التضخمية.

تداعيات تتجاوز ارتفاع الأسعار

ولا تتوقف آثار التضخم عند ارتفاع تكاليف المعيشة، بل تمتد لتشمل النشاط الاقتصادي والاستثماري والقطاع المصرفي، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص التعافي الاقتصادي.

وأوضح بنجامين فيف أن التضخم يؤدي إلى تراجع القيمة الحقيقية للدخول والمدخرات المقومة بالليرة السورية، ما يدفع كثيرًا من المواطنين إلى تحويل مدخراتهم نحو الدولار أو الذهب أو العقارات للحفاظ على قيمتها.

وأضاف أن هذا التحول يضعف الادخار بالعملة المحلية، ويقلص قدرة المصارف على توفير القروض طويلة الأجل، كما يزيد صعوبة التخطيط المالي للشركات ويحد من الاستثمارات، فضلاً عن توسيع الفجوة بين أصحاب الدخل بالدولار وأصحاب الرواتب الثابتة بالليرة.

من جانبه، وصف مجدي الجاموس التضخم بأنه أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، مشيرًا إلى أنه يرفع تكاليف الإنتاج والمعيشة، ويضعف معدلات النمو، ويؤخر مسار التعافي الاقتصادي.

وأضاف أن استمرار تقلبات سعر الصرف وارتفاع الأسعار يحدان من جاذبية البيئة الاستثمارية ويؤثران سلبًا في مستويات الإنتاج، فيما يؤدي تراجع الثقة بالليرة السورية إلى إضعاف دورها كوسيلة للادخار والتبادل، وهو ما ينعكس بدوره على أداء القطاع المصرفي وقدرته على جذب الودائع وتمويل النشاط الاقتصادي.

إصلاحات مطلوبة لاحتواء التضخم

ويرى خبراء الاقتصاد أن الحد من التضخم يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات جزئية أو مؤقتة.

وأكد بنجامين فيف أن الخطوة الأولى تتمثل في استعادة الثقة بالاقتصاد من خلال توفير بيانات اقتصادية دورية وشفافة حول التضخم والسياسة النقدية والمالية العامة، إلى جانب تجنب تمويل الإنفاق الحكومي عبر إصدار النقد.

كما دعا إلى تنفيذ إصلاح تدريجي لسياسات الدعم مع توجيهه إلى الفئات الأكثر احتياجًا، والعمل على تحسين خدمات الكهرباء والوقود والنقل والجمارك، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي، إضافة إلى تخصيص جزء أكبر من المساعدات الدولية لتطوير البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

وأشار كذلك إلى أهمية اتباع سياسة تجارية انتقائية تقلل استيراد السلع الكمالية، مع تسهيل استيراد المواد الأولية والآلات ومدخلات الإنتاج، لافتًا إلى أن الانفتاح الاقتصادي ورفع العقوبات قد يشكلان فرصة لتحسين التوقعات الاقتصادية، إلا أن تحقيق نتائج مستدامة يتطلب إصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الاستقرار الأمني والقانوني.

بدوره، شدد مجدي الجاموس على أن معالجة التضخم تبدأ باستقرار سعر صرف الليرة السورية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتشجيع الإنتاج المحلي، باعتبار أن زيادة الإنتاج الحقيقي تمثل الأساس لبناء اقتصاد أكثر استقرارًا.

وأكد أن تعزيز الثقة بالعملة الوطنية، وتنشيط القطاع المصرفي، واستعادة حركة الودائع والقروض، تمثل عناصر رئيسية لتحفيز الاستثمار، ودعم النمو الاقتصادي، والحد من الضغوط التضخمية التي تواجه الاقتصاد السوري.

اقرأ أيضاً:نفط العراق يمر عبر سوريا إلى العالم.. بانياس بوابة طاقة جديدة أم فرصة اقتصادية مهدورة؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.