من حل «قسد» إلى الاعتراف بالحقوق الكردية.. دمشق تعيد رسم العلاقة مع القوى الكردية

دخلت العلاقة بين الدولة السورية والقوى الكردية منعطفاً جديداً بعد سلسلة خطوات متزامنة نقلت النقاش من مستقبل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) كقوة عسكرية مستقلة إلى شكل حضور الكرد داخل مؤسسات الدولة وحقوقهم السياسية والثقافية.

وجاء التحول بعد إعلان مظلوم عبدي حل «قسد» وإنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة، قبل أن يصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد يومين، مرسوماً بتعيينه مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية. وبالتوازي، أعلنت وزارة التربية اعتماد تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان.

وتشير هذه التطورات إلى مسار يتجاوز إعادة ترتيب الوضع العسكري في شمال شرقي سوريا، إذ تبدو التسوية مرتبطة بمحاولة إنهاء الازدواج العسكري والإداري في المنطقة، مقابل توسيع مساحة المشاركة السياسية والثقافية للكرد ضمن مؤسسات الدولة السورية.

عبدي ينتقل من القيادة العسكرية إلى مؤسسة الرئاسة

يحمل تعيين مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية دلالة سياسية واضحة، إذ يأتي بعد سنوات قاد خلالها قوة عسكرية كبيرة خارج سيطرة دمشق. ومع حل «قسد»، ينتقل عبدي إلى موقع رسمي داخل مؤسسات الدولة، في تحول يعكس طبيعة المرحلة الجديدة التي يجري التفاوض عليها بين دمشق والقوى الكردية.

وكان عبدي قد أعلن في قصر الشعب بدمشق انتهاء مهمة «قسد» وحلها كقوة مستقلة، متحدثاً عن الانتقال «من ساحات المعارك إلى ساحات البناء». وعقب الإعلان، ناقش مع الرئيس أحمد الشرع والوفد الحكومي الخطوات العملية المرتبطة بدمج المؤسسات والقوى الموجودة في شمال شرقي سوريا.

ولا يعني حل «قسد» أن عملية الدمج أصبحت مكتملة. فالاتفاق يشمل ملفات أمنية وإدارية وقضائية وتعليمية تحتاج إلى ترتيبات تفصيلية، من بينها مستقبل بعض التشكيلات المسلحة التي عملت ضمن منظومة «قسد»، مثل وحدات حماية المرأة وقوى مكافحة الإرهاب، وآليات استيعاب عناصرها في وزارتي الدفاع والداخلية.

وفي هذا السياق، بدأت مفاوضات بين وزارة الداخلية ووحدات حماية المرأة بشأن عملية الدمج، بما يشير إلى توجه نحو تفكيك البنية العسكرية السابقة وإعادة إدماج عناصرها في مؤسسات الدولة، بدلاً من استمرار تشكيلات مسلحة موازية تحت مسميات جديدة.

ويأتي ذلك في وقت يبدو فيه أن «قسد» تتجه إلى فقدان الدعم العسكري الذي كانت تحصل عليه من الولايات المتحدة، ما يضيف بعداً آخر للتحول من الاعتماد على قوة عسكرية مستقلة إلى ممارسة النفوذ عبر القنوات السياسية والمؤسسات الرسمية.

تدريس الكردية يفتح مساراً ثقافياً جديداً

على الجانب الآخر من التسوية، برز ملف اللغة الكردية باعتباره أحد أبرز المؤشرات على المقابل السياسي والثقافي الذي حصل عليه الطرف الكردي حتى الآن.

وأعلنت وزارة التربية أن اللغة الكردية ستُدرّس في مختلف المراحل الدراسية داخل المناطق ذات الكثافة الكردية، على أن تصبح جزءاً من المناهج المعتمدة، بالتزامن مع إعداد الكوادر اللازمة لتدريسها في المدارس.

وتتجاوز أهمية القرار مسألة إدخال لغة جديدة إلى المناهج، نظراً إلى أن التعليم باللغة الكردية كان من الملفات الخلافية الرئيسية بين دمشق والإدارة الذاتية. وكان جوهر الخلاف يرتبط أيضاً بمسألة الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي داخل الدولة السورية.

وكانت دمشق قد بدأت في يناير/كانون الثاني الماضي بتغيير مقاربتها لهذا الملف، عبر اعتبار الكردية لغة وطنية والسماح بتدريسها ضمن نطاق محدد. إلا أن القرار الأحدث يبدو أكثر اتساعاً، خصوصاً مع إدراج اللغة ضمن المناهج وفي جميع المراحل الدراسية بالمناطق المعنية.

وتعكس هذه المقاربة محاولة للفصل بين الاعتراف بالخصوصية الثقافية واللغوية للكرد وبين وجود إدارة سياسية أو عسكرية منفصلة؛ أي إتاحة مساحة للهوية والثقافة الكردية داخل الدولة، بالتوازي مع إنهاء المؤسسات المسلحة والإدارية التي نشأت خارج هياكلها الرسمية.

ملفات سياسية ودستورية لا تزال مفتوحة

ورغم أهمية حل «قسد» وتعيين عبدي، فإن هاتين الخطوتين لا تختزلان القضية الكردية في سوريا، التي تتجاوز في نطاقها مسألة القوة العسكرية التي تأسست في إطار الحرب السورية.

ولا تزال ملفات شكل الإدارة المحلية، ومستوى اللامركزية، والحقوق السياسية، والتمثيل داخل مؤسسات الدولة، والاعتراف الدستوري بالتعدد القومي والثقافي، مطروحة أمام الأطراف المعنية.

كما أن مظلوم عبدي، رغم موقعه المؤثر، لا يمثل بمفرده مختلف القوى والتيارات السياسية الكردية. ومن ثم، قد تظهر في المرحلة المقبلة تباينات داخل الساحة الكردية نفسها حول مدى قدرة التسوية الحالية على تلبية المطالب التاريخية للكرد، وما إذا كانت عملية الدمج في مؤسسات الدولة ستترافق مع ضمانات سياسية ودستورية كافية.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يمثل تعيين عبدي مستشاراً لدى الرئاسة خطوة ذات طابع رمزي وعملي، لكنه لا يحسم وحده مستقبل القضية الكردية، التي تتطلب معالجة أوسع عبر ترتيبات قانونية ودستورية قابلة للاستمرار.

شمال شرقي سوريا أمام اختبار جديد

لا تقتصر أهمية التفاهم بين دمشق والقوى الكردية على المنطقة نفسها، إذ قد تشكل آلية التعامل مع شمال شرقي سوريا اختباراً لنموذج الدولة السورية الجديدة في إدارة الملفات المناطقية المختلفة.

وفي حال تمكنت الدولة من إنهاء الازدواج العسكري في المنطقة من دون صدام واسع، مع دمج السكان والمؤسسات والاعتراف ببعض الخصوصيات المحلية، فقد يصبح هذا المسار نموذجاً يمكن تطبيقه، بدرجات متفاوتة، في مناطق سورية أخرى لديها مطالب أمنية أو إدارية خاصة.

لكن ذلك يرتبط بطبيعة الدولة التي ستنتج عن هذه العملية. فالسؤال لا يتعلق فقط بكيفية دمج المؤسسات والقوى الموجودة في شمال شرقي سوريا، بل أيضاً بما إذا كان الدمج سيجري في إطار دولة مركزية بصورتها التقليدية، أم بالتوازي مع إعادة صياغة أوسع تتيح هامشاً أكبر للإدارة المحلية والتعدد الثقافي.

وتبدو دمشق، حتى الآن، متمسكة بوحدة المؤسسات والسلاح والسيادة. وفي المقابل، يحصل الكرد على اعتراف تدريجي بحقوق لغوية وثقافية، إلى جانب حضور سياسي داخل مؤسسات الدولة من خلال تعيين عبدي.

ويبقى التحدي أمام هذه المعادلة هو تحويل التفاهمات بين القيادة السورية ومظلوم عبدي إلى قواعد مؤسساتية ودستورية أوسع، بحيث تشمل مختلف مكونات المجتمع الكردي واتجاهاته السياسية، ولا تبقى مرتبطة بشخصيات أو ترتيبات ظرفية.

مرحلة ما بعد «قسد»

تكشف التطورات الأخيرة عن انتقال جوهري في طبيعة العلاقة بين دمشق والقوى الكردية. فبدلاً من أن يتركز الخلاف على الجهة التي تملك السيطرة العسكرية على شمال شرقي سوريا، يتجه النقاش تدريجياً إلى كيفية مشاركة الكرد في الدولة السورية الجديدة وشكل الحقوق التي ستُمنح لهم داخلها.

ومن الناحية النظرية، ينهي حل «قسد» أحد أبرز مظاهر الانقسام العسكري في البلاد، إلا أن المرحلة التالية تبدو أكثر تعقيداً، مع انتقال التركيز إلى تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسات وقوانين ومناهج تعليمية يمكن أن تستمر على المدى الطويل.

وبين تعيين مظلوم عبدي في مؤسسة الرئاسة واعتماد تدريس اللغة الكردية، تبرز معادلة جديدة تحاول دمشق من خلالها الجمع بين مبدأ احتكار الدولة للسلاح والمؤسسات، وإتاحة مساحة للخصوصية الكردية داخل الإطار السوري الموحد.

ويظل نجاح هذه المعادلة مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على توسيع التسوية بحيث لا تقتصر على إنهاء «قسد»، بل تتحول إلى إطار أكثر شمولاً لمعالجة القضية الكردية سياسياً وثقافياً وقانونياً، بما يمنع عودة الصراع العسكري أو إعادة إنتاج أسباب الخلاف في صورة جديدة.

إقرأ أيضاً: تسليم السلاح الثقيل في الحسكة.. قسد تفكك ترسانتها والحكومة الانتقالية أمام اختبار فرض الدولة

إقرأ أيضاً: حلّ «قسد» يعيد ترتيب المشهد السوري ويضع الحرس الوطني في السويداء أمام خيارات أصعب

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.