المشروعات الصغيرة في سوريا.. ملاذ الباحثين عن دخل وسط غياب بيئة استثمار حقيقية
في اقتصاد أنهكته سنوات الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، لم يعد تأسيس مشروع كبير خياراً متاحاً لكثير من السوريين. فارتفاع كلفة رأس المال وصعوبة الوصول إلى التمويل يدفعان الباحثين عن مصدر دخل إلى المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بعضها يبدأ من غرفة في المنزل وبأدوات محدودة، في محاولة لبناء مورد لا توفره سوق العمل المتعثرة.
وتتراوح المشروعات متناهية الصغر، وفق التعريفات الاقتصادية المتداولة، بين عامل واحد وخمسة عمال وبرأس مال يقل عن 500 دولار، بينما تضم المشروعات الصغيرة بين 6 و25 عاملاً وبرأسمال يتراوح تقريباً بين 500 و5 آلاف دولار، مع اختلاف هذه الحدود بحسب النشاط والسوق.
مشروع صغير لأن البديل أكبر من القدرة
يرى رجال أعمال أن السوق السورية، رغم ضعف الطلب، ما تزال تضم احتياجات أساسية وفرصاً لإحلال المنتجات المحلية محل المستوردة. ويبرز في هذا السياق الاستثمار في الأغذية المنزلية، والألبسة، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والصيانة، والتسويق الإلكتروني، إلى جانب الأنشطة الزراعية المرتبطة بإنتاج الغذاء أو تصنيع المنتجات الزراعية.
ويشير محمد الحلاق إلى أن المشروعات غير الملموسة، مثل التطبيقات والخدمات الرقمية، تتمتع بميزة مهمة تتمثل في انخفاض حاجتها إلى الأصول الثابتة، ما يسمح بالبدء بفريق صغير والتوسع تدريجياً.
وفي المقابل، يرى فيصل عطري أن الريف السوري يمتلك فرصاً واعدة في مشروعات الألبان والأجبان، وزراعة الفطر والأعشاب، وتربية النحل والدواجن، وإنتاج السماد العضوي، وتجفيف وتقطير المنتجات الزراعية، مؤكداً أن إضافة قيمة إلى المنتج الزراعي قد تكون أكثر جدوى من بيع المادة الخام كما هي.
أما في المدن، فتبرز خدمات صيانة أنظمة الطاقة الشمسية، والتنظيف، والتوصيل، والمطابخ المنزلية، وإعادة تدوير الملابس والأثاث، باعتبارها أنشطة يمكن إطلاقها برأس مال محدود وتستفيد من اتساع فجوة الخدمات.
النجاح ممكن.. لكن البيئة لا تساعد
لا تكمن المشكلة في غياب الأفكار، بل في هشاشة البيئة التي يفترض أن تحتضنها. فالتقلبات النقدية، وضعف التمويل، وارتفاع تكاليف التشغيل، وعدم استقرار الطلب، كلها تجعل المشروع الصغير معرضاً للتعثر قبل أن يتمكن من بناء قاعدة مستقرة.
ويرى المختصون أن البداية الأكثر أماناً تكون بمشروع محدود يمكن اختبار جدواه ثم توسيعه من الأرباح، بدلاً من استنزاف رأس المال في الإيجارات والتجهيزات. كما يشددون على أهمية الإدارة المالية والتسويق ودراسة السوق والاعتماد على ميزة تنافسية واضحة.
لكن مسؤولية النجاح لا تقع على صاحب المشروع وحده. فالحكومة الانتقالية مطالبة بتوفير بيئة اقتصادية أكثر استقراراً، وتسهيل التمويل الأصغر، وتبسيط التراخيص، وحماية الإنتاج المحلي، وربط الدعم باحتياجات الأسواق الفعلية، لا الاكتفاء بخطابات عامة عن ريادة الأعمال.
من مشروع منزلي إلى مؤسسة
تثبت تجارب محلية ودولية أن عدداً من الشركات الكبرى بدأ بإمكانات محدودة، لكن الفارق لم يكن في صغر البداية، بل في القدرة على تحويل الفكرة إلى نموذج قابل للاستمرار والتوسع.
وفي سوريا، قد يكون المشروع الصغير أحد المسارات القليلة المتاحة أمام الأسر والشباب في ظل انكماش سوق العمل. لكنه سيبقى، من دون تمويل واستقرار وتشريعات واضحة، أقرب إلى محاولة فردية لمواجهة الأزمة منه إلى نواة حقيقية لاقتصاد منتج.
فالمشكلة اليوم ليست أن السوريين يفتقرون إلى الأفكار أو الرغبة في العمل، بل أن كثيراً منهم يحاولون بناء مشاريعهم في اقتصاد لا يزال يضع أمامهم كلفة البداية قبل أن يمنحهم فرصة الوصول إلى الربح.
اقرأ أيضاً: المشاريع الصغيرة في السويداء.. محاولات للنجاة من الأزمة وسط تمويل محدود ومستقبل اقتصادي غامض