اقتصاد حلب بين الواقع والتحديات: هل تتحول “العاصمة الاقتصادية” إلى مجرد ممر تجاري؟
رغم امتلاكها كافة المقومات للتأهل كقاطرة لـ التعافي الاقتصادي في سوريا بفضل تاريخها الصناعي، وكتلتها السكانية، وموقعها الرابط بين الأناضول وبلاد الشام والعراق والبحر المتوسط، إلا أن واقع مدينة حلب يكشف عن مفارقة كبيرة؛ مصانع تعمل بثلث طاقتها الإنتاجية، خدمات متقطعة، وسلع مستوردة تغرق الأسواق بأسرع من استعادة الإنتاج المحلي.
يرتبط هذا التراجع بتحول الوظيفة الجيوسياسية للمدينة؛ إذ انتقلت حلب من عقدة تجمع الأسواق والموارد إلى منطقة تماس تتقاطع فيها شبكات النقل، وتتعدد بها مستويات السلطة، في وقت أضحت فيه الحدود السورية-التركية مصدراً للفرص والقيود في آن واحد.
1. مدينة صنعتها الشبكات المفتوحة لا الحدود الإدارية
بنت حلب مكانتها التاريخية عبر مجال اقتصادي أوسع من حدودها الحالية؛ حيث ارتبط تجارها بالأناضول والموصل والمرافئ المتوسطية. غير أن المتغيرات التاريخية المتلاحقة – بدءاً من ترسيم الحدود السورية التركية وصولاً إلى اقتطاع لواء إسكندرون عام 1939 – أضعفت منافذها البحرية.
ورغم ذلك، تكيفت حلب عبر بناء قاعدة صناعية وطنية صلبة. لكن الحرب أعادت رسم المدينة من الداخل عبر تقسيمها إلى مناطق نفوذ وخطوط تماس، متسببة في تفكيك العديد من المصانع ونقلها إلى تركيا، مما خلق مدينتين اقتصاديتين داخل نطاق جغرافي واحد.
تأكدت هذه الجغرافيا المعقدة من خلال الأحداث والمواجهات في حيّي “الشيخ مقصود” و”الأشرفية”، والتي تسببت في نزوح أكثر من 140 ألف شخص بحسب تقارير دولية، مما يعكس عمق الأزمة الخدمية والسياسية.
2. الحدود الشمالية: بوابة إغراق أم مسار للتعافي؟
أقرت البيانات الاقتصادية بارتفاع الصادرات التركية إلى سوريا بنسبة 37% مع زيادة كبيرة في الآلات ومواد البناء، وهو ما يوفر مستلزمات الإعمار، لكنه يضع المنتج المحلي الحلبي في منافسة غير متكافئة أمام البضائع المستوردة بسبب ارتفاع كلفة الطاقة المحلية.
أزمة الطاقة والغاز العابر:
ورغم بدء تدفق الغاز من أذربيجان عبر الأراضي التركية بمعدلات يمكنها توليد 900 ميغاواط للشبكة السورية، إلا أن مرور هذا الغاز عبر حلب لا يضمن تخصيص الكهرباء لمصانعها وأحيائها، حيث يخضع التوزيع لقرارات المركز والشبكة الوطنية، لتتحول المدينة إلى “بوابة طاقة عابرة” دون امتلاك قرار استخدامها.
3. الصراع على الخدمات وتوزيع القيمة العقارية
تتوزع إدارة حلب بين سلطة مركزية في دمشق تتحكم بالتمويل والتشريع والطاقة، وإدارة محلية ومجلس مدينة بموارد محدودة. أدّى هذا التفاوت الخدمي إلى:
-
ارتفاع كلفة الإنتاج والعيش: اعتماد الأحياء المتضررة على “الأمبيرات” وصهاريج المياه.
-
صراع إعادة الإعمار: تحول حملات التأهيل والنظافة إلى قرارات تتصل بتوزيع قيمة الأرض وإمكانية العودة، وتحديد الأحياء ذات الأولوية بالدعم.
-
غياب البيئة الائتمانية: تعثر عمل المنشآت الصناعية في مناطق مثل العرقوب والكلاسة نتيجة غياب التمويل وسوء البنية التحتية.
4. كيف تستعيد حلب دورها الاقتصادي والسيادي؟
وفق تقديرات البنك الدولي، تتجاوز الأضرار المادية المباشرة في سوريا 108 مليارات دولار، حيث تأتي محافظة حلب في مقدمة المناطق الأكثر حاجة للاستثمارات.
ولتحقيق تعافٍ اقتصادي حقيقي يتجاوز مجرد “حجم التدفقات التجارية العابرة”، تتطلب المرحلة القادمة اتخاذ خطوات عملية:
-
توفير بيئة طاقة مستقرة: توجيه حصص عادلة من الكهرباء والمشتقات النفطية للمدن والمناطق الصناعية (مثل الشيخ نجار، العرقوب، والكلاسة).
-
حماية المنتج الوطني: إعادة تنظيم الحركة التجارية عبر الحدود الشمالية بما يضمن تكافؤ المنافسة لدعم الصناعيين المحليين.
-
اللامركزية الخدمية: منح الإدارة المحلية في حلب صلاحيات مالية وتنفيذية أعلى للتعامل مع متطلبات الأحياء الأكثر تضرراً.
-
الربط الاقتصادي بالداخل: إعادة وصل المنظومة الصناعية بحلب بالمواد الأولية في الجزيرة السورية والموانئ التجارية في الساحل.
إقرأ أيضاً: مطار حلب ينتعش جواً.. لكن التعافي يصطدم بإرث الإهمال وثغرات الإدارة
إقرأ أيضاً: حلب تواجه فوضى البناء المخالف.. أزمة سكن تتصادم مع القانون وعجز الإدارة