الصناعة السورية بعد الحرب.. تحديات التعافي واستعادة القدرة الإنتاجية
تواجه الصناعة السورية تحديات كبيرة في استعادة قدرتها الإنتاجية بعد سنوات الحرب، في ظل تضرر المنشآت الصناعية والبنية التحتية، وتراجع الاستثمارات، وأزمات الكهرباء والتمويل، ونقص المواد الأولية والعمالة الفنية.
ورغم عودة بعض المصانع إلى العمل، لا يزال القطاع الصناعي بعيداً عن مستويات الإنتاج التي سجلها قبل عام 2011، ما يحد من مساهمته في الاقتصاد ويزيد اعتماد البلاد على الاستيراد، والضغط على القطع الأجنبي.
وبحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تراجع إنتاج الصناعات التحويلية الخاصة من 428.4 مليار ليرة سورية عام 2010 إلى 261 مليار ليرة عام 2024. كما انخفض عدد المنشآت الصناعية من نحو 130 ألف منشأة قبل الحرب إلى قرابة 80 ألفاً عام 2025، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والصناعة، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تشمل المصانع والورش والمنشآت الحرفية، ولا تعكس بالضرورة عدد المنشآت العاملة فعلياً.
تحديات إعادة تشغيل المصانع السورية
تعكس الفجوة بين التراخيص والإنتاج حجم الصعوبات التي تواجه التعافي الصناعي؛ إذ رُخص 2225 مشروعاً صناعياً خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، لكن 218 مشروعاً فقط دخلت مرحلة الإنتاج، وفق صحيفة «الوطن» السورية.
وتتصدر أزمة الكهرباء قائمة العوائق، بعدما تضررت الشبكة خلال سنوات الحرب، وتراجعت ساعات التغذية إلى مستويات محدودة في مناطق واسعة، ما أجبر المصانع على الاعتماد على المولدات ومصادر الطاقة البديلة، ورفع تكاليف الإنتاج.
كما تواجه المنشآت صعوبات في الحصول على التمويل والقروض طويلة الأجل، وتأمين الآلات والمواد الأولية، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل ونقص العمالة المتخصصة وضعف القدرة الشرائية، فضلاً عن المنافسة مع المنتجات المستوردة.
كم تحتاج الصناعة السورية للتعافي؟
ترى الباحثة في العلاقات الدولية لانا بادفان أن استعادة الصناعة السورية قدرتها الإنتاجية تتطلب معالجة متزامنة للتحديات الاقتصادية والسياسية والتشريعية، مشيرة إلى أن حجم الدمار وهجرة رؤوس الأموال والكفاءات يجعل التعافي عملية طويلة الأمد.
وتقول بادفان لـ«963+» إن التراجع في الإنتاج الصناعي يتجاوز 70%، مقدرة أن استعادة مستويات الإنتاج السابقة قد تستغرق بين 10 و20 عاماً، تبعاً لحجم الاستثمارات وسرعة معالجة العقبات.
وتضيف أن تخفيف العقوبات الاقتصادية الدولية يتيح فرصاً أفضل للتمويل والاستثمار واستيراد المعدات، لكنه لا يكفي وحده لإنعاش القطاع، في ظل استمرار أزمات الطاقة وضعف المنظومة المصرفية وتقلب سعر الصرف والحاجة إلى إصلاحات تشريعية تحمي المستثمرين.
وتؤكد أن إعادة تشغيل المصانع تتطلب الاستثمار في محطات توليد الكهرباء والشبكات والبنية التحتية الصناعية، إلى جانب تسهيل التمويل وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، واستقطاب الاستثمارات العربية والأجنبية.
كما تشدد على ضرورة ضبط التضخم وتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف لخفض تكاليف الإنتاج وتحسين تنافسية المنتجات السورية.
تراجع المنشآت لا يعكس حجم الإنتاج الفعلي
من جهته، يشير الكاتب في الاقتصاد السياسي الدكتور بيير خوري إلى أن أرقام المنشآت الصناعية لا تعكس بالضرورة حجم النشاط الفعلي، بسبب عدم وجود تصنيف واضح يفصل بين المصانع والورش والمنشآت الحرفية.
ويقدم قطاع النسيج مثالاً على ذلك، إذ تشير بيانات حكومية منشورة في تموز/يوليو 2026 إلى وجود أكثر من 24 ألف منشأة نسيجية عام 2024، لم يكن يعمل منها سوى 56.8%، فيما بقي أكثر من 10 آلاف منشأة خارج الخدمة.
ويلفت خوري إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتدفق المنتجات المستوردة منخفضة الأسعار، بالتزامن مع تخفيض الرسوم الجمركية ورفع الدعم عن الوقود والكهرباء، زاد الضغوط على الصناعيين.
ويشير إلى أن إنتاج الكهرباء بلغ نحو 1.6 غيغاواط منتصف عام 2025، مقارنة بنحو 9.5 غيغاواط قبل عام 2011، ما دفع المصانع إلى الاعتماد على مصادر الطاقة الخاصة، ورفع تكاليف الصناعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء، مثل الإسمنت والحديد والكيماويات.
كما يوضح أن ضعف التمويل الصناعي ومحدودية القروض طويلة الأجل يعرقلان إعادة تشغيل المنشآت، إذ يعتمد كثير من الصناعيين على التمويل الذاتي والأرباح المحتجزة.
3 إلى 5 سنوات لإعادة تشغيل المصانع القابلة للاستثمار
يميز خوري بين إعادة تشغيل المصانع المتوقفة واستعادة مستويات الإنتاج والتصدير السابقة للحرب، موضحاً أن تشغيل الطاقات الصناعية المعطلة والقابلة للاستثمار قد يستغرق بين 3 و5 سنوات، في حال تحسنت إمدادات الكهرباء وتوفر التمويل.
أما استعادة مستويات الإنتاج والتصدير التي كانت قائمة قبل عام 2011، فقد تحتاج إلى عقد على الأقل، وفق تقديره، الذي يؤكد أنه تحليل زمني وليس تقديراً رسمياً.
ويربط خوري سرعة التعافي بإعادة تأهيل شبكات الكهرباء، وتحديث خطوط الإنتاج، وتعويض الكفاءات الفنية التي غادرت البلاد.
ما الحلول المطلوبة لإنعاش الصناعة السورية؟
يرى خوري أن إنعاش الصناعة السورية يتطلب سياسة صناعية واضحة تركز على خفض تكاليف الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية، من خلال:
- توفير الكهرباء بأسعار تفضيلية للمصانع خلال مرحلة انتقالية.
- تسهيل القروض والتمويل الصناعي طويل الأجل.
- دعم التدريب المهني وتأهيل العمالة الفنية.
- إعادة تأهيل المصانع القائمة والمدن الصناعية.
- تنظيم الاستيراد وحماية الصناعة المحلية من المنافسة غير المتكافئة.
- تحسين البيئة التشريعية والاقتصادية لجذب الاستثمارات.
- تعزيز التبادل التجاري مع الأسواق الإقليمية، خصوصاً العراق والأردن ولبنان.
ويخلص خوري إلى أن تعافي الصناعة السورية لا يتوقف على إعادة بناء المنشآت المتضررة، بل يرتبط بمعالجة أزمات الطاقة والتمويل والبنية التحتية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة تضمن تحويل التراخيص والمشاريع المعلنة إلى إنتاج فعلي وفرص عمل مستدامة.
إقرأ أيضاً: الصناعة السورية بالأرقام: 80 ألف منشأة لا تخفي انهيار الإنتاج وأزمة الكهرباء والتمويل