مزارعو القنيطرة يبيعون محاصيلهم بخسارة.. غياب التسويق يهدد الموسم الزراعي المقبل
يخرج مزارعو القنيطرة من موسم زراعي مثقل بالخسائر، بعدما تحولت أشهر العمل والإنفاق على البذار والأسمدة والري وأجور العمال إلى محاصيل لا تحقق عائدًا يغطي تكاليف إنتاجها. وفي مشهد يكشف اختلالاً واضحاً في إدارة القطاع الزراعي، يجد المنتجون أنفسهم أمام سوق لا يضمن تصريف محاصيلهم، وغياب حلول حكومية توازن بين حجم الإنتاج واحتياجات التسويق، فيما تقترب قرارات زراعة الموسم المقبل من دون خطة واضحة تحدد ما ينبغي إنتاجه وكيفية تسويقه.
بالنسبة إلى مزارعين في ريف القنيطرة، لم تعد المشكلة محصورة بارتفاع تكاليف الإنتاج، بل باتت مرتبطة بغياب جهة تتولى تنظيم السوق وحماية المنتج من البيع بخسارة. ويهدد استمرار هذا الواقع بتحويل الزراعة من مصدر دخل إلى مغامرة مالية قد تدفع أصحاب الأراضي إلى تركها من دون زراعة.
محصول وفير وعائد لا يغطي النفقات
يقول صفوان اليونس، مزارع من قرية عين النورية، إن زراعة 70 دونماً بأصناف مختلفة لم تحقق له ولأخيه عائداً يتناسب مع ما أنفقاه، موضحاً أن مردود بيع الخضراوات في سوق الهال بدمشق لم يغطِّ سوى أجور العمال. ويشير إلى غياب الدعم الفعلي في مستلزمات الإنتاج وتنظيم مياه الري، متسائلاً عن جدوى مشاريع تجهيز الآبار بالطاقة البديلة وشق الطرق الزراعية إذا لم تنعكس نتائجها على دخل المزارعين.
ويطالب اليونس بتأمين المحروقات والأسمدة والأدوية الزراعية والفوارغ، وتفعيل الإرشاد الزراعي، وإيجاد منافذ للتسويق والتصدير، محذراً من أن استمرار تكدس المحاصيل قد يدفع مزارعين إلى الامتناع عن زراعة أراضيهم الموسم المقبل.
أما أيمن دباك، من بلدة خان أرنبة، فيضع أجور العمال وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج ضمن أبرز أسباب الخسارة، لافتاً إلى أن الصيدليات الزراعية تتعامل بالدولار، بينما يبيع المزارع إنتاجه بالليرة السورية. ويطالب بإعلان الخطة الزراعية مبكراً، وفتح التصدير، وإبرام عقود مسبقة مع المزارعين، ولا سيما لمحصول البندورة المخصص للمعامل، بأسعار تغطي كلفة الإنتاج.
المزارع يتحمل كلفة غياب التخطيط
ويقدم مراد غنيم، من خان أرنبة، مثالاً على الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر البيع؛ إذ يقول إنه باع محصول الخيار بأقل من تكلفته، مقدراً أن سعر الكيلوغرام ينبغي أن يبلغ 35 ليرة حتى يغطي النفقات. ووفق حساباته، تصل كلفة إنتاج الدونم إلى نحو 70 ألف ليرة خلال دورة تمتد 45 يوماً، تشمل الحراثة والبذار والأسمدة والعمال والري والنقل.
ويطالب غنيم بتعويض المتضررين وجدولة ديونهم للصيدليات الزراعية والمصارف، إلى جانب تنظيم التخزين والتسعير وتحديد المحاصيل المطلوبة قبل بدء الموسم.
وعود الدعم لا تعوض غياب السياسة الزراعية
تكشف مطالب المزارعين أن الخلل لا يرتبط بعامل منفرد، بل بغياب منظومة متكاملة تربط الإنتاج بالتسويق والتصنيع والتصدير. فكيف يُطلب من المزارع تحديد ما سيزرعه، بينما لا يعرف مسبقاً حجم الطلب أو سعر الشراء أو الجهة التي ستتولى تصريف محصوله؟
وتتحمل الجهات الحكومية مسؤولية وضع خطة إنتاج واقعية، وتأمين مستلزمات الزراعة، وتنظيم أسواق الجملة، وتوفير عقود تسويق عادلة. أما ترك المزارع وحيداً أمام تقلبات الأسعار وتكاليف الإنتاج، ثم مطالبته بمواصلة الزراعة، فلا يمثل سياسة دعم؛ بل ينقل مخاطر سوء التخطيط من المؤسسات إلى المنتجين، ويهدد بتراجع المساحات المزروعة ومصادر دخل عائلات تعتمد على الأرض.
اقرأ ايضاً: ارتفاع تكاليف الزراعة يثقل كاهل مزارعي الحسكة مع انطلاق الموسم الشتوي