ارتفاع أسعار العقارات في سوريا يعرقل عودة اللاجئين واستقرارهم
تواجه عائلات سورية عائدة من الخارج صعوبات في تأمين مساكن مناسبة، مع استمرار ارتفاع أسعار العقارات في عدد من المدن، وتراجع الخيارات المتاحة أمام الأسر التي تحاول استئناف حياتها بعد سنوات من اللجوء. وبين محدودية المدخرات وارتفاع تكاليف السكن، بات شراء منزل يتجاوز الإمكانات المالية لكثير من العائدين، حتى في الأبنية القديمة التي تحتاج إلى ترميم أو تفتقر إلى بعض الخدمات الأساسية.
وتبرز هذه الصعوبات في تجربة محمد خطاب، الذي عاد إلى البحث عن منزل في مدينة اللاذقية غربي سوريا، تمهيداً للعودة من تركيا مع أسرته. ويقول لـ”العربي الجديد” إن العثور على شقة تلبي احتياجات عائلته ضمن المبلغ الذي يملكه لم يكن أمراً سهلاً، بعدما فوجئ بمستويات الأسعار في المدينة.
وبحسب خطاب، تتراوح أسعار الشقق المتوسطة في مركز اللاذقية بين 80 ألفاً و100 ألف دولار، فيما لا تنخفض في بعض المناطق المحيطة عن 60 ألف دولار، رغم ما قد يترتب على السكن فيها من أعباء إضافية مرتبطة بالمواصلات والخدمات. ويضيف أن أسعار العقارات باتت قريبة من مستويات مسجلة في إسطنبول التركية، التي كان يقيم فيها، رغم الاختلاف في مستوى الخدمات وجودة الإكساء.
وتأتي هذه الصعوبات في ظل فجوة واسعة بين حجم المساكن المتاحة والاحتياجات السكنية في سوريا، بالتزامن مع عودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين إلى البلاد ومناطقهم الأصلية.
ووفق بيانات وزارة الأشغال العامة والإسكان، التي نقلتها وكالة الأنباء السورية “سانا” في سبتمبر/ أيلول الماضي، يبلغ عدد الوحدات السكنية في سوريا نحو 4.25 ملايين وحدة، تضرر منها قرابة 1.32 مليون وحدة بدرجات متفاوتة. كما قُدّر العجز السكني بنحو 1.9 مليون وحدة عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 2.5 مليون وحدة بحلول عام 2030، في حال عدم زيادة المعروض.
وتستهدف الحكومة السورية إنشاء مليوني وحدة سكنية أو إعادة تأهيلها بحلول عام 2035، في محاولة لمعالجة جانب من الفجوة السكنية المتراكمة.
ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين العرض والطلب
لا ترتبط أزمة السكن بعدد الوحدات المتوافرة فحسب، بل تشمل أيضاً ارتفاع أسعار العقارات وتفاوتها بحسب الموقع ومستوى الخدمات وحالة البناء. ففي دمشق وريفها، شهدت مناطق عدة زيادات ملحوظة خلال العامين الماضيين، جعلت امتلاك منزل بعيد المنال بالنسبة إلى شرائح من أصحاب المدخرات، بمن فيهم سوريون عادوا من الخارج.
وبحسب تقديرات أصحاب مكاتب عقارية ومتعاملين في السوق، إلى جانب إعلانات عقارية رصدها “العربي الجديد”، ارتفعت الأسعار في مناطق سورية بنسب تراوحت بين 100 و150% خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع زيادة الطلب.
وفي دمشق، وصل سعر المتر المربع، وفق التقديرات المتداولة، إلى نحو 2500 دولار في مناطق مثل المزة وكفرسوسة وأبو رمانة، مقابل قرابة 1500 دولار في برزة والميدان، ونحو 800 دولار في جرمانا وقدسيا.
وتختلف الأسعار أيضاً بحسب طبيعة المشروع ومرحلة إنجازه. ففي بعض المشاريع السكنية، يقترب سعر المتر المربع من ألف دولار في مشروع “أبيات هيلز” بقدسيا، ويتجاوز هذا المستوى في مشروع “جيران هومز” في الصبورة. أما الشقق المباعة على الهيكل في بعض مناطق ريف دمشق، فتتراوح تقديرات سعر المتر المربع فيها بين 350 و600 دولار، تبعاً للموقع ومواصفات البناء.
لكن الأسعار المعلنة لا تعني بالضرورة أن العقارات تُباع بالقيم نفسها، إذ يشير عاملون في السوق إلى وجود فجوة بين المبالغ التي يطلبها المالكون والأسعار التي يستطيع المشترون دفعها. كما أن محدودية عمليات البيع والشراء تجعل من الصعب اعتماد الإعلانات وحدها مؤشراً دقيقاً على القيمة الفعلية للعقارات.
وفي اللاذقية، يقول صاحب شركة الإنشاءات عبد المنعم عتال، إن أسعار الشقق غير المكتملة، والمطروحة على الهيكل في المناطق المخدمة من المدينة وأطرافها، ارتفعت خلال الأشهر الأخيرة من نحو 300 إلى 400 دولار للمتر المربع، إلى مستويات تتراوح بين 800 وألف دولار.
ويضيف أن أسعار الشقق القديمة ارتفعت بدورها بأكثر من الضعف في بعض المواقع، وفقاً للمنطقة وحالة البناء. ويربط عتال هذه الزيادة بارتفاع الطلب، ولا سيما من السوريين العائدين، ومحدودية المعروض، فضلاً عن دخول المضاربة في حركة السوق.
ويشير في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع الأسعار المطلوبة لا يعكس بالضرورة نشاطاً مماثلاً في عمليات البيع، إذ يرفع بعض المالكين قيمة عقاراتهم المعروضة من دون أن يجدوا مشترين مستعدين لدفع المبالغ المحددة.
عودة اللاجئين تزيد احتياجات السكن
تنعكس صعوبة تأمين المساكن بصورة أكبر على العائلات العائدة من الخارج، التي لا تبحث عن منزل من حيث المساحة والسعر فقط، بل تحتاج أيضاً إلى موقع قريب من المدارس ومراكز العمل ووسائل النقل والخدمات الأساسية.
وقد تكون العقارات الواقعة في أطراف المدن أقل تكلفة من تلك الموجودة في مراكزها، لكنها قد تفرض على الأسر نفقات إضافية، أو تكون في مناطق لا تتوافر فيها الخدمات التي تحتاج إليها. وهذا ما يقلص الخيارات المتاحة أمام العائدين، خصوصاً أصحاب المدخرات المحدودة.
وتظهر بيانات العودة حجم الاحتياجات السكنية المحتملة. فبحسب أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مطلع سبتمبر/ أيلول 2026، عاد نحو 1.8 مليون لاجئ سوري من الخارج منذ ديسمبر/ كانون الأول 2024، بينهم أكثر من 718 ألفاً من لبنان، ونحو 704 آلاف من تركيا، وما يزيد على 296 ألفاً من الأردن. كما قدرت المفوضية عودة أكثر من مليوني نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية.
ولا يعني ذلك أن جميع العائدين يتجهون إلى شراء المنازل، لكن عودة الأسر ترفع الحاجة إلى مساكن صالحة للإشغال، لا سيما في المناطق التي تعرضت فيها الأحياء السكنية للتدمير أو تضررت بنيتها التحتية.
وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 6.2 ملايين شخص في سوريا يحتاجون إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى، في ظل تضرر أو تدمير قرابة ثلث المخزون السكني، ما يضيف تحديات أخرى إلى أزمة توفر المساكن وارتفاع أسعارها.
أسعار مطلوبة لا تعكس دائماً حركة السوق
في دمشق، يرى الوسيط العقاري ماهر شداد أن الأسعار المتداولة لا تعبر دائماً عن القيمة الفعلية للعقارات، في ظل ضعف حركة البيع والشراء، وانتظار بعض المالكين ارتفاع الأسعار قبل إتمام الصفقات.
ويشير شداد إلى أن تكاليف البناء والطاقة والنقل والأجور تؤثر في تحديد أسعار العقارات، لكنه يلفت إلى ضرورة التمييز بين السعر الذي يطلبه البائع والقيمة التي تنتهي إليها الصفقة فعلياً. فقلة التداول العقاري تجعل الأسعار المعروضة أقل قدرة على عكس واقع السوق بصورة دقيقة.
ولا تقتصر التحديات على ارتفاع الأسعار، إذ تواجه بعض الأسر صعوبات إضافية تتعلق بحالة المساكن المتضررة، والحاجة إلى ترميمها قبل السكن فيها، فضلاً عن مشكلات إثبات الملكية وفقدان الوثائق أو وجود شاغلين في بعض العقارات.
من جهته، يرى الخبير العقاري وضاح الخالد، من حلب شمالي سوريا، أن معالجة الأزمة تتطلب زيادة المعروض السكني عبر بناء وحدات جديدة وإعادة تأهيل المنازل المتضررة، بالتوازي مع تحسين الخدمات في المناطق القابلة لاستيعاب السكان، وحماية حقوق الملكية والحد من المضاربة.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء، إلى جانب محدودية تراخيص البناء في بعض البلديات، يحد من قدرة السوق على توفير وحدات سكنية تناسب أصحاب الدخل المتوسط والمحدود. ووفق تقديره، قد تستمر الأسعار المطلوبة عند مستويات مرتفعة، حتى في المناطق التي لا تشهد حركة بيع تتناسب معها.
ويربط الخالد مستقبل السوق بعدة عوامل، أبرزها حجم المساكن التي ستُرمم أو تُبنى، وتوافر الخدمات الأساسية، وقدرة الأسر على الشراء، ومدى انعكاس الأسعار المعلنة على الصفقات المنفذة.
وفي ظل استمرار الفجوة بين القدرة الشرائية وتكاليف السكن، تبقى عائلات عائدة أمام خيارات محدودة، بين شراء عقارات تتجاوز إمكاناتها المالية، أو تأجيل الاستقرار إلى حين تحسن ظروف السوق وتوافر مساكن تناسب احتياجاتها.
اقرأ أيضاً:التدفئة في سوريا.. ارتفاع الأسعار يضيّق خيارات الأسر مع اقتراب الشتاء