الأحوال المدنية متوقفة في الحسكة.. مواليد بلا قيود ومعاملات زواج عالقة منذ 2024
يكبر أطفال في الحسكة من دون أن تُسجّل ولادتهم، وتبقى زيجات موثقة اجتماعياً بلا أثر في السجلات الرسمية، فيما يتحول إنجاز معاملة مدنية بسيطة إلى رحلة قد تنتهي في دمشق. أكثر من عام ونصف على توقف تسجيل الوقائع الجديدة في مدن المحافظة جعل الأحوال المدنية واحدة من أوضح صور الفراغ الخدمي الذي خلّفته ترتيبات إعادة دمج مؤسسات الدولة، بينما لا يزال المواطن يدفع كلفة هذا التعطل من وقته وماله وحقه في الحصول على وثيقة رسمية في مكان إقامته.
يوسف، الذي بلغ عامه الثاني، واحد من هؤلاء الأطفال. يقول والده عبد الحميد المحمد إنه راجع جهات عدة لتسجيل ولادته، لكنه لم يجد دائرة عاملة أو مساراً واضحاً لإنجاز المعاملة. المشكلة، وفق الأب، لم تعد إثبات الولادة، بل غياب الجهة التي تستطيع تسجيلها.
وبحسب مدير الشؤون المدنية في الحسكة عزيز المحيمد، يعود آخر تسجيل للمواليد الجدد في دوائر المحافظة إلى 5 كانون الأول 2024، أي قبل أيام من سقوط النظام السابق. ومنذ ذلك التاريخ، تراكمت معاملات الولادات والزواج وغيرها من الوقائع المدنية.
زواج بلا سجل.. وأسرة بلا بطاقة عائلية
لا تقتصر الأزمة على المواليد. فواز المحمود، الذي تزوج قبل نحو عام، لم يتمكن حتى الآن من تسجيل زواجه أو الحصول على بطاقة عائلية تجمع بيانات أسرته.
بالنسبة إليه، لا تكمن المشكلة في تعقيد الأوراق بقدر ما تكمن في غياب مكان واضح يمكن مراجعته. ومع انتظار الأسرة مولودها الأول، يصبح غياب التوثيق الرسمي أكثر من مجرد تأخير إداري، إذ ترتبط به معاملات وخدمات تحتاج إلى بيانات مدنية محدثة.
ويقول المحيمد إن عشرات الآلاف تأثروا بتوقف تسجيل الوقائع الجديدة في المحافظة، ما يجعل الأزمة أوسع من حالات فردية، ويمدّد آثار تعطل المؤسسات إلى الأسر التي تحتاج إلى إثبات أحداث أساسية في حياتها.
حين تصبح الولادة رحلة إلى دمشق
لم ينتظر عبد الله سليمان أكثر. عندما بلغ ابنه نحو عام ونصف العام، اضطر إلى السفر من الحسكة إلى دمشق لمتابعة تسجيل الولادة، متحملاً تكاليف السفر والإقامة وأياماً من الغياب عن عمله.
وتحاول الشؤون المدنية معالجة جزء من المشكلة عبر “كوّة” في دمشق لأتمتة الوثائق الموجودة في أرشيف الحسكة، بحسب المحيمد. لكن هذا الحل يخص السجلات القديمة المؤرشفة ورقياً، ولا يحل مشكلة الوقائع الجديدة التي لم يُنشأ لها أصل في السجلات المحلية.
وبالنسبة لهذه الوقائع، يمكن أن يضطر المواطن إلى مراجعة دمشق أو دير الزور، في مسار يحمّل سكان محافظة بعيدة عن المركز كلفة إضافية لإنجاز خدمة يفترض أن تكون متاحة محلياً.
الدمج مستمر.. والخدمة ما تزال غائبة
ترتبط الأزمة بالمسار الأوسع لدمج المؤسسات في الحسكة. فقد نصت التفاهمات المعلنة مطلع 2026 على دمج المؤسسات المدنية في المحافظة ضمن مؤسسات الدولة، فيما أكدت الجهات الرسمية أن العملية تحتاج إلى إجراءات إدارية وتدقيق للبيانات وترتيبات تشغيلية.
لكن استمرار التعطل يكشف فجوة واضحة بين إنجاز ترتيبات الدمج على المستوى الإداري وبين إعادة الخدمات إلى المواطنين. فحتى مع إعلان خطوات متقدمة في مسار الدمج، لا يزال مدير الشؤون المدنية نفسه يقول إنه لا يوجد موعد مؤكد لإعادة افتتاح دوائر النفوس وتسجيل الوقائع الجديدة.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من إغلاق مكاتب حكومية: مواطن لا يستطيع تسجيل ولادة ابنه، وزوج لا يستطيع إثبات زواجه، وأسرة تضطر إلى السفر مئات الكيلومترات للحصول على وثيقة، بينما تبقى المعاملة رهينة جدول زمني غير محدد.
وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو عبارة “إعادة المؤسسات” كافية لقياس عودة الدولة إلى حياة السكان اليومية. المعيار الأكثر مباشرة هو قدرة المواطن على إنجاز معاملته في مدينته، من دون أن يتحول تسجيل طفل أو تثبيت زواج إلى رحلة بين المحافظات وكلفة جديدة تضاف إلى أعباء المعيشة.
وحتى تعود دوائر الأحوال المدنية للعمل فعلياً في الحسكة، يبقى عشرات الآلاف عالقين في منطقة رمادية: وقائع حدثت في حياتهم، لكنها لم تجد بعد مكاناً في السجل الرسمي للدولة.
اقرأ ايضاً: الأحوال المدنية في حلب.. رحلة المواطن بين الأوراق والانتظار وسط تعقيدات السجل المدني