تركيا تضغط لإعادة اللغة التركية إلى مدارس سوريا بعد توقفها في مناطق شمال حلب
لم ينتظر النفوذ التركي في قطاع التعليم السوري طويلاً بعد بدء توحيد المناهج في البلاد. فبعد توقف تدريس اللغة التركية في عدد من مدارس ريف حلب الشمالي مع تطبيق المنهاج السوري الموحد، عادت أنقرة إلى طرح المسألة مباشرة أمام وزارة التربية والتعليم في دمشق، مطالبة باستمرار تدريس التركية في الشمال، وفتح الباب أمام تعليمها مادة اختيارية في المدارس السورية عموماً.
الطرح التركي لا يأتي منفرداً، بل ضمن مسار أوسع يتجاوز درساً اختيارياً في مدرسة. ففي تموز الماضي وقعت سوريا وتركيا اتفاقاً يسمح بإنشاء وتشغيل مراكز ثقافية تركية في سوريا، على أن تقدم هذه المراكز دورات للغة التركية وتعزز الثقافة التركية. كما سبق أن ناقشت وزارتا التعليم العالي السورية والتركية مستقبل الجامعات التركية العاملة في الشمال وإمكانية إنشاء جامعة سورية-تركية مشتركة.
مطلب تركي.. وبيان سوري مختلف
يوم أمس 27 أيلول، أعلن السفير التركي في دمشق نوح يلماز أنه بحث مع وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو استمرار دروس اللغة التركية في شمال سوريا، وطرح تدريسها مادة اختيارية على مستوى البلاد، إضافة إلى إبلاغه بخطة افتتاح “مدرسة دمشق الدولية التركية رجب طيب أردوغان” التابعة للسفارة التركية.
لكن البيان الرسمي السوري الصادر عن اللقاء لم يذكر أياً من هذه الملفات. واكتفى بالحديث عن تعزيز التعاون التربوي وتبادل الخبرات، ولا سيما في التعليم الفني والمهني والاستفادة من التجربة التركية.
هذا التباين ليس تفصيلاً إعلامياً. فعندما يكشف الطرف التركي عن مقترحات تتعلق بلغة التدريس والمدارس، بينما يغيب مضمونها عن الرواية الرسمية السورية، تبقى الأسئلة مفتوحة حول طبيعة التفاهمات التي تُبحث خلف الأبواب المغلقة، وحدود ما وافقت عليه دمشق فعلياً.
الشمال السوري.. نقطة البداية
توقفت التركية عن التدريس في عدد من مدارس أعزاز والباب وجرابلس ومارع والراعي مع انطلاق العام الدراسي الحالي وتطبيق المنهاج السوري الموحد. وكانت اللغة قد دخلت تدريجياً إلى مدارس المنطقة منذ 2017، قبل أن يتوسع نطاق تدريسها خلال السنوات التالية.
وفي أيلول، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن موضوع تدريس التركية نوقش مع المسؤولين السوريين، وإن الجانب السوري أبلغه بعدم وجود مشكلة في استمرارها كمادة اختيارية. ثم عاد الملف إلى الواجهة مع حديث نائب رئيس حزب العدالة والتنمية كورشاد زورلو عن قرار يتعلق باستمرار تدريسها في المناطق ذات الكثافة التركمانية، من دون نشر تفاصيل سورية رسمية واضحة حول القرار.
وبذلك تبدو اللغة التركية وكأنها تعود إلى المشهد التعليمي من بوابة الشمال، المنطقة التي راكمت فيها تركيا خلال السنوات الماضية حضوراً تعليمياً وثقافياً ومؤسساتياً واسعاً.
التعليم يتحول إلى مساحة نفوذ
المشكلة ليست في تعلم لغة أجنبية بحد ذاته، فاللغات الاختيارية جزء طبيعي من أي نظام تعليمي. لكن حساسية المسألة السورية تكمن في الجهة التي تدفع باتجاه إدراج اللغة، وفي السياق الذي تتحرك فيه.
فأنقرة لا تطرح التركية باعتبارها خياراً تعليمياً منفصلاً، بل ضمن شبكة أوسع من الاتفاقات والمراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية والعلاقات الجامعية. وفي آذار، وقعت وزارة الخارجية السورية مذكرة تفاهم مع “وقف المعارف” التركي لتأطير نشاط المؤسسة في سوريا بالتنسيق مع وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي.
وهذا التوسع يطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود التعاون التعليمي وحدود النفوذ الذي يمكن أن ينتج عنه. فكلما اتسعت المؤسسات المرتبطة بدولة أجنبية داخل قطاع التعليم، يصبح من الضروري أن تكون الدولة السورية صاحبة القرار الواضح في المناهج واللغات والجهات المشرفة عليها.
دمشق أمام اختبار السيادة التعليمية
حتى الآن، لم تعلن وزارة التربية والتعليم السورية قراراً رسمياً بإعادة التركية إلى المدارس أو اعتمادها مادة اختيارية على المستوى الوطني، كما لم تحدد المدارس والصفوف التي يمكن أن يشملها المقترح.
وتبدو المشكلة في أن الوزارة، التي أعلنت توحيد المنهاج السوري في مختلف المحافظات، تجد نفسها أمام مطالب خارجية بإبقاء استثناء تعليمي بدأ أصلاً في مناطق كانت تخضع لترتيبات مختلفة.
وإذا كان تعلم التركية سيُطرح فعلاً كمادة اختيارية، فإن ذلك يحتاج إلى قرار سوري معلن يحدد الصفوف والمناهج والكوادر والجهة المشرفة والتمويل، لا إلى تفاهمات دبلوماسية قابلة لتفسيرات متعددة.
فالخطر ليس في أن يتعلم الطالب السوري لغة جديدة، وإنما في أن تتحول المدرسة، وسط هشاشة مؤسسات الدولة، إلى مساحة إضافية لتثبيت نفوذ القوى الخارجية. وعندما تتوسع الشراكات التعليمية والثقافية والجامعية في وقت واحد، تصبح مسؤولية دمشق أكبر في رسم حدود التعاون بوضوح، حتى لا يتحول الفراغ المؤسسي إلى مدخل لنفوذ طويل الأمد داخل أحد أكثر القطاعات تأثيراً في تشكيل المجتمع السوري.
اقرأ أيضاً: اللغة التركية في جامعتي دمشق وحلب اعتباراً من العام الحالي