أسواق حلب الشعبية لا تجذب الباعة.. من فشل البازارات إلى محاولة تنظيم البسطات بجمعية جديدة
تعود البسطات إلى واجهة المشهد الخدمي في حلب من جديد، لكن هذه المرة من بوابة مقترح إنشاء جسم إداري يتولى إدارة ملف الأسواق والبسطات، إلى جانب جمعية تضم الباعة الجوالين لتنظيم عملهم ومتابعة شؤونهم.
المقترح جاء خلال اجتماع اللجنة المركزية لتنظيم أسواق حلب، التي بحثت واقع الأسواق الشعبية الثابتة والدورية التي أقامها مجلس المدينة خلال الأشهر الماضية. غير أن إعادة طرح الملف تكشف، في المقابل، أن الإجراءات السابقة لم تتمكن من إنهاء المشكلة، ولا من إقناع الباعة بالانتقال من الشوارع والأرصفة إلى الأسواق التي خصصتها الجهات الرسمية لهم.
البسطات تعود كلما أخفقت الخطط
منذ أشهر، تتعامل محافظة حلب ومجلس المدينة مع البسطات باعتبارها مشكلة تنظيمية وخدمية، فبدأت الحملات لإخلاء الأرصفة والأملاك العامة، قبل الانتقال إلى محاولة احتواء الظاهرة عبر أسواق شعبية وبازارات موزعة على الكتل الخدمية الخمس.
وفي 11 حزيران، ناقشت محافظة حلب خلال ورشة عمل واقع الأسواق وانتشار البسطات وإمكانية إنشاء أسواق جديدة وبازارات يومية وأسبوعية، ثم أطلق مجلس المدينة في 27 حزيران مشروع الأسواق المؤقتة الأسبوعية الجوالة في الحمدانية، قبل أن تنتقل التجربة يومياً بين أحياء مختلفة وفق جدول محدد.
لكن التجربة، بحسب أصحاب بسطات ومتسوقين، لم تحقق الإقبال المتوقع. ففي سوق المشهد الشعبي، أبدى باعة ورواد امتعاضهم من اختيار مواقع بعيدة عن الشوارع الرئيسية وحركة المارة، حيث توجد الكتلة الأساسية من الزبائن. ومع حلول المساء، تبدو بعض هذه الأسواق شبه خالية، وهو ما يجعل نقل البسطات إليها أقرب إلى إبعاد النشاط التجاري عن جمهوره منه إلى تنظيمه فعلياً.
السوق في المكان الخطأ
المشكلة التي تواجهها تجربة البازارات لا تبدو مرتبطة بالباعة وحدهم، بل بموقع السوق وآلية تشغيله. فالبائع يبحث عن المارة الذين يشكلون مصدر رزقه، والمستهلك يفضل المكان الذي يصل إليه بسهولة ويجد فيه تنوعاً في السلع والأسعار.
أما إنشاء سوق منظم في موقع ضعيف الحركة، ثم مطالبة البائع بترك مكانه الذي اعتاد عليه، فلا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة المطلوبة. وهنا يظهر القصور في التخطيط: تنظيم السوق لا يقوم فقط على تحديد مساحة وإزالة المخالفات، بل على فهم حركة الناس والتجارة معاً.
ورغم ذلك، تستمر حملات إخلاء البسطات من مواقعها، وكان آخرها في شارع الشرعية بحي صلاح الدين، أحد الشوارع المعروفة بكثافة البسطات، ولا سيما باعة الخضار والفواكه.
جمعية للباعة.. حل إداري لمشكلة أوسع
المقترح الجديد بتشكيل جسم إداري وجمعية للباعة الجوالين قد يوفر إطاراً لتنظيم المهنة والتواصل مع الباعة، لكنه لن يحل وحده أزمة الأسواق ما لم تتغير طريقة التعامل مع الظاهرة من أساسها.
فالبسطات ليست مجرد إشغال أرصفة يمكن إزالته بحملة، بل نشاط اقتصادي تلجأ إليه شرائح من أصحاب الدخل المحدود لكسب معيشتها، كما يعتمد عليه متسوقون يبحثون عن أسعار أقل من المتاجر التقليدية.
وتحتاج الحكومة الانتقالية ومجلس مدينة حلب إلى خطة تتعامل مع الطرفين معاً: حق المدينة في طرق وأرصفة منظمة، وحق البائع في مصدر رزق، وحق المستهلك في سوق متاح وأسعار منافسة.
من المطاردة إلى التنظيم.. لكن بأي نتيجة؟
تبدو تجربة حلب حتى الآن عالقة بين حملات الإخلاء ومشاريع إعادة التوزيع. وكلما أُبعدت البسطات من شارع، ظهرت في موقع آخر، وكلما أُنشئ بازار منظم، بقي السؤال نفسه: أين الباعة وأين الزبائن؟
إن استمرار هذا الدوران يكشف أن المشكلة لم تعد في غياب القرارات، بل في غياب نموذج عملي قادر على جعل التنظيم مقبولاً ومجدياً للباعة والمستهلكين في آن واحد.
فالسوق لا تنجح لأنها رسمت على الورق، ولا تنتقل حركة البيع بأوامر إدارية. وما لم تستطع الجهات الحكومية تحويل البازارات من مواقع مفروضة إلى أسواق حقيقية فيها حركة وزبائن ومردود، فإن الجمعية المقترحة قد تنضم إلى قائمة أخرى من الحلول التي تبدو منظمة من خلف المكاتب، بينما تبقى البسطات في الشارع تبحث عن مكان تستطيع فيه أن تبيع.
اقرأ أيضاً: أسواق البسطات في حلب.. محاولة لترتيب الفوضى وسط شوارع تبحث عن متنفس