“إسرائيل” تبحث عبر واشنطن عن برنامج الأسلحة البيولوجية السوري بعد سقوط الأسد
قالت مصادر سورية مطلعة لجريدة “المدن” إن “إسرائيل” تحركت عبر الولايات المتحدة للحصول على معلومات بشأن مخزون الأسلحة البيولوجية في سوريا، إضافة إلى الوثائق والمعدات التي استخدمت خلال فترة حكم نظام بشار الأسد.
وبحسب المصادر، تتابع “إسرائيل” هذا الملف منذ سقوط النظام، فيما نشر الباحث الإسرائيلي “داني شوهام”، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية والمتخصص في الحرب الكيماوية والبيولوجية، دراسة في آذار/مارس 2025 دعا فيها إلى استثمار مرحلة ما بعد سقوط النظام للبحث عن برنامج الأسلحة البيولوجية السوري والعمل على تدميره.
ويأتي الاهتمام الإسرائيلي في وقت تعود فيه ملفات الأسلحة غير التقليدية التي خلفها النظام السابق إلى الواجهة، وسط استمرار البحث في طبيعة البرامج والمنشآت التي ارتبطت بها، وما إذا كانت قد تضمنت أنشطة عسكرية غير معلنة.
سوريا واتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية
وقعت سوريا عام 1972 على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية والتكسينية، لكنها لم تصدق عليها، لتبقى دولة موقعة وليست طرفاً في الاتفاقية. وكانت دمشق أيضاً طرفاً في بروتوكول جنيف لعام 1925 الذي يحظر استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في الحروب.
ويكتسب الوضع القانوني أهمية في فهم طبيعة الرقابة على هذا الملف. فعلى خلاف النظام الدولي الذي تطور لاحقاً في مجال الأسلحة الكيماوية، لم يكن هناك نظام تفتيش دولي قوي ومستمر مخصص للبحث عن برنامج الأسلحة البيولوجية السوري. وبقي الحظر قائماً من دون آلية تفتيش مماثلة تكشف بصورة منتظمة طبيعة الأنشطة المرتبطة بهذا النوع من الأسلحة.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، برز مركز الدراسات والبحوث العلمية السوري، المعروف اختصاراً بـ”أس أس آر سي”، باعتباره أحد أبرز المؤسسات التي ارتبط اسمها بالنقاش حول البرامج العسكرية غير التقليدية في سوريا.
لكن طبيعة عمل المركز تجعل تحديد النشاط العسكري أمراً معقداً، إذ جمع بين الأبحاث المدنية والعسكرية، فيما لا يشكل وجود مختبرات متخصصة في الأحياء أو الكيمياء أو الأدوية دليلاً بحد ذاته على وجود برنامج لتصنيع الأسلحة.
ويقول “داني شوهام” إن قسماً للبيولوجيا تأسس في المركز خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتركزت أنشطته في مجالات شملت علم البكتيريا والمناعة ومعالجة المياه، قبل أن تمتد إلى أبحاث الفيروسات والبروتينات. كما يربط الباحث الإسرائيلي المركز بأبحاث تناولت السموم البيولوجية، وفي مقدمتها الريسين.
تجربة الكُبَر تعزز المخاوف الإسرائيلية
لا تنظر “إسرائيل” إلى ملف الأسلحة البيولوجية بمعزل عن تجربتها السابقة مع البرنامج النووي السوري.
ففي عام 2007 قصفت “إسرائيل” منشأة في منطقة دير الزور عُرفت لاحقاً باسم الكُبَر. وبعد سنوات من التحقيق، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن المنشأة كانت مرتبطة بنشاط نووي غير معلن.
وأظهرت قضية الكُبَر، بالنسبة إلى “إسرائيل”، إمكانية إنشاء برنامج نووي سري داخل سوريا من دون أن تتضح طبيعته وحجمه للمجتمع الدولي قبل تدميره.
وتشير هذه التجربة إلى سبب تعامل “إسرائيل” بحذر مع أي بنية تحتية سورية مرتبطة بالأسلحة غير التقليدية. فوجود مؤسسات علمية ومنشآت ذات استخدامات مدنية وعسكرية في الوقت نفسه قد يجعل التحقق من طبيعة الأنشطة التي جرت داخلها أكثر صعوبة.
وفي الأيام الأخيرة عاد الملف النووي السوري إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت سوريا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستزور البلاد قريباً بهدف إحراز “تقدم مهم” في ملف المواد النووية، بالتزامن مع استمرار التحقيقات المتعلقة بالنشاط النووي السوري السابق.
وبذلك يتقاطع البحث في البرنامج النووي السابق مع الاهتمام بملفات أخرى من إرث النظام، بينها الأسلحة البيولوجية.
تصريح رسمي عام 2012 عن المواد البيولوجية
خلال الحرب السورية، وفي تموز/يوليو 2012، أكدت وزارة الخارجية السورية في تصريح لها امتلاك البلاد مواد للحرب البيولوجية، مع القول إن استخدامها سيقتصر على حال تعرض سوريا لعدوان خارجي.
وأصبح التصريح لاحقاً من أبرز الأدلة العلنية التي استند إليها النقاش بشأن القدرات البيولوجية السورية، رغم أن دمشق قدمت في وقت لاحق تفسيرات مختلفة بشأن مضمونه.
وفي العام نفسه، قال “عاموس يادلين”، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن سوريا تمتلك مخزونات كبيرة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. إلا أن مثل هذه المعلومات بقيت ضمن نطاق التقديرات الاستخباراتية ولم تتحول إلى دليل ميداني علني يثبت وجود تلك المخزونات.
منشأة المليحة وملف الريسين
شكل الريسين أحد أكثر الخيوط الملموسة في هذا الملف. فالمادة شديدة السمية ليست جرثومة بالمعنى العلمي، وإنما سم بيولوجي يمكن أن يدخل ضمن منظومة الأسلحة البيولوجية المحظورة.
وفي عام 2014 أعلنت سوريا وجود منشأة لإنتاج الريسين ومخزون مرتبط به. ومنذ ذلك الحين، دخلت منشأة المليحة قرب دمشق في ملفات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي اعتمدت في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه خطة خاصة للتحقق من تدمير المنشأة التي كانت تنتج الريسين.
وبحسب تحليل لجمعية الحد من الأسلحة، قالت سوريا إن كامل كمية الريسين التي أنتجتها المنشأة جرى التخلص منها قبل دخول اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية حيز التنفيذ بالنسبة إليها. وبناء على ذلك، لم تخضع تلك الكمية لعملية تحقق دولية مماثلة لتلك التي طُبقت على مخزون الأسلحة الكيماوية المعلن.
وظلت في المقابل أسئلة قائمة حول طبيعة الأنشطة التي كانت تجري في المنشأة. وهذا يعني أن جزءاً من ملف الريسين استند إلى الإقرار السوري، من دون أن تتوافر عملية دولية شاملة لتتبع جميع الكميات التي أنتجت تاريخياً.
وتبرز هنا أهمية ما تبحث عنه أجهزة الاستخبارات بعد سقوط النظام، وفق هذا الطرح: فإذا كان هناك إنتاج عسكري فعلي، فمن المفترض أن تترك العملية وراءها منظومة تشمل الأبحاث والمواد الأولية والمختبرات والخبراء والوثائق ووسائل التخزين، وربما وسائل الاستخدام.
وفي آذار/مارس 2025، وبعد أشهر من سقوط الأسد، نشر “داني شوهام” دراسة في مركز بيغن-السادات الإسرائيلي تناولت تحديداً الجانب البيولوجي من عملية نزع السلاح في سوريا. واعتبر فيها أن تركيز المجتمع الدولي منذ عام 2013 انصب على الأسلحة الكيماوية، بينما ظل البرنامج البيولوجي خارج نطاق التفتيش إلى حد كبير، معتبراً أن سقوط النظام يوفر فرصة للبحث عما تبقى منه.
صعوبة التحقق من وجود برنامج عسكري
يختلف التحقق من الأسلحة البيولوجية عن نظيره في الأسلحة الكيماوية، نظراً إلى إمكانية تنفيذ أبحاث بيولوجية داخل منشآت مدنية حقيقية تستخدم في مجالات الطب أو الزراعة أو معالجة المياه.
كما أن العديد من المعدات والمعارف المستخدمة في هذه المجالات ذات استخدام مزدوج، ما يجعل العثور على مختبر أو أجهزة أو مواد بيولوجية غير كافٍ وحده لإثبات وجود برنامج أسلحة.
ولهذا بقيت المعلومات المتاحة علناً بشأن القدرات البيولوجية السورية محدودة. وتقول جمعية الحد من الأسلحة إن المعطيات المنشورة عن قدرات سوريا في مجال الحرب البيولوجية ظلت محدودة، رغم وجود مؤشرات إلى أن بنيتها التكنولوجية كانت قادرة على دعم تطوير مثل هذه القدرات.
وفي المقابل، قال مصدر خاص لـ”المدن” إنه لا يوجد حتى الآن دليل يثبت امتلاك سوريا أسلحة بيولوجية، مضيفاً أن “إسرائيل” لا تملك وثيقة تثبت وجود هذه الأسلحة.
وبحسب المصدر، فإن التطور الأبرز الذي أحدثه سقوط الأسد هو فتح إمكانية الوصول إلى وثائق ومعدات ومنشآت قد تساعد في توضيح طبيعة برنامج ظل غامضاً لعقود، من دون أن يعني ذلك أن وجود برنامج أسلحة بيولوجية بات أمراً مثبتاً.
إقرأ أيضاً: النووي السوري بين رقابة الوكالة وحسابات إسرائيل.. هل تفتح دمشق طريقاً نحو برنامج مدني؟